تتجه الأنظار إلى الرابيه مع بدء أسبوع يُرجّح أن يكون ساخناً في ضوء الحديث المنتظر للجنرال ميشال عون في ذكرى ثورة الأرز، وسط تكتم تام في أوساط الرابيه حول مضمون هذا الحديث، الذي من المنتظر أن يضع سقفاً جديداً للكلام السياسي البرتقالي في شتّى المواضيع وعلى رأسها موضوع الرئاسة، يشكّل أساساً لمواقف وزراء ونواب التيار في المرحلة المقبلة.
ووسط توقعات بعض أهل الحكم، ومن ضمنهم رئيس تيار المستقبل سعد الحريري ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، عن تحرّك الملف الرئاسي في نيسان، من المنتظر أن تشتدّ لهجة الجنرال، وكذلك عزيمته في الوصول الى بعبدا وفي قطع الطريق أمام أي خيار آخر، علماً أن عامل الوقت ليس لصالحه خصوصاً أن كثيرين يعتبرون عدم حضوره جلسات الانتخاب تعطيلاً لم يعد مقبولاً للعملية الإنتخابية بمفهومها الدستوري وأنه حان الوقت لأن يفسح المجال أمام غيره للوصول إلى الرئاسة ما دامت حظوظ انتخابه هو غير متوفّرة.
وكانت قد ترددت معلومات حول انضمام رئيس حزب "القوات اللبنانية" الى العشاء الذي يقيمه التيار في هذه المناسبة، إلا أن مصادر معراب نفت صحة هذه الإشاعات، مشيرة إلى أن هذا العشاء خاص بالتيار ولا سبب لمشاركة الحكيم فيه.
ومن غير المستبعد أن يوزّع عون ملاحظاته في اتجاهات عدة، متهماً من يقف عائقاً أمام انتخابه بأنه يرفض مبدأ الشراكة الحقيقية في البلد، وهو مبدأ يقوم على قبول واحترام حيثية الطرف الآخر في الحكم، بما معناه أن عدم المضي بترشيح عون رغم دعم غالبية المسيحيين له على خلفية حلف معراب الذي جمع بين العونيين والقواتيين، هو فعلياً بمثابة التنصّل من مبدأ المشاركة الحقيقية للمسيحيين في الحكم وتجاهل لرغبتهم في ما يتعلّق باستحقاق هم بوصلته، وبالتالي هم الأجدى باختيار من يمثلهم خير تمثيل فيه.
وثمة من يخشى بأن يذهب عون بالكلام هذا الى منعطف خطير، فيأخذه حديثه المنتظر عن الشراكة في السياسة الى موقف انعزالي يكون فحواه بأن من لا يريدنا في الحكم نحن أيضاً لا نريده، ويكون بذلك دقّ ناقوس الخطر على العيش المشترك بصيغته الحلية. إلّا أن أوساطاً مطلعة استبعدت أن يذهب الجنرال إلى هذا الحدّ من التصعيد، مؤكدة أن المرحلة في البلاد والمنطقة خطيرة بما فيه الكفاية وعون لن يقدم على خطوة من شأنها أن تزيد الطين بلّة وتدفع بالجميع نحو ما يشبه الإنتحار الجماعي.
ومن الممكن أن يطال حديث عون أيضاً الحليف- الخصم في فريق 8 آذار، النائب والمرشح الآخر للرئاسة سليمان فرنجية، خصوصاً بعد التراشق الكلامي الذي جرى أثناء انعقاد طاولة الحوار الأخيرة في عين التينة بين الوزير جبران باسيل وفرنجية، والذي تميّز ب" دفاع هجومي" شنّه رئيس حزب المردة حول حقيقة تمثيله المسيحي الذي يحاول البعض التقليص من أهميته، منتقداً بحدّة سياسات عون وتصرفاته قبل الطائف وبعده، والتي تسببت على حدّ قوله بالكثير مما آلت الأمور إليه اليوم من أزمات مستدامة. وقد يجد عون في حديثه في ذكرى 14 آذار الفرصة المنشودة للردّ على فرنجية، خصوصاً وأنه لم يتسنّ لباسيل القيام بذلك في جلسة الحوار، علماً أن نبرة البيك جاءت حادة في الشكل كما في المضمون، مفاجئة الجميع وملزمة إياهم الصمت ومنهية الجلسة تفادياً لمزيد من التأزم بين الطرفين.
وإذ لا بدّ في هذه المناسبة من التفاتة من جهة الى المصالحة المسيحية التي انطلقت من معراب بين العونيين والقوات ناهية سنين الخلافات الدامية بينهما، تكثر التساؤلات حول ما إذا كان الجنرال سيأتي على ذكر تحالفه بحزب الله ورأيه في موقف الحزب من ترشيحه من جهة أخرى، علما أنه قد ساد انطباع عام مؤخراً أنّ الحزب ليس جدياً في تمسكه بترشيحه عون، وأن التزامه الجنرال كحليف أساسي هو فعلياً مناورة سياسية للإبقاء على الفراغ الحاصل.
وفي هذا الطار، تؤكّد مصادر في حزب الله أنّ عون مقتنع بموقف الحزب في موضوع الرئاسة، وأنه يعي أن الحزب لا يمكن أن يطلب من حلفائه الانسحاب لمصلحته، مشيرة إلى أنه سبق وحصل التباس في هذا الموضوع منذ فترة، قبل المبادرة الباريسية، حيث وجه عون ملامة للحزب في ما يتعلّق بموقف الرئيس نبيه برّي منه، ليقتنع بعد ذلك أنّ لرئيس المجلس خصوصياته، وأنه لا يمكن لحارة حريك أن تمون على عين التينة بأمور داخلية، فالتحالف الاستراتيجي بين الطرفين لا يلغي التمايز في أمور متعلقة بالداخل اللبناني.
وتشير الأوساط إلى أن ما ينطبق على برّي ينطبق أيضاً على فرنجية، وأنه لا شيء لدى الحزب أو غيره يقدّمه لفرنجية مقابل انسحابه من السبق الرئاسي، فعلى أي أساس إذاً يمكن للحزب الإصرار على فرنجية أن يتراجع عن ترشيحه؟ وبالنهاية، لفرنجيه حساباته السياسية وحزب الله يتفهّمها تماماً. وأما عون، فهو أيضاً مستوعب للوضع، ولم يعد يطلب شيئاً من الحزب من هذا القبيل، وأي محاولة لدفعه الى مواجهة مع الحزب على خلفية الموقف من الرئاسة ليس إلا من باب التحريض ولن يفلح على حدّ قول الأوساط، في إشارة ضمنية الى تشجيع معراب الجنرال على طلب صريح من الحزب في هذا الاتجاه.