لا يمكن فصل إطلالة "داعش" الأخيرة على المشهد اللبناني، عن جملة تطورات يعيشها التنظيم الإرهابي. فـتسجيل الفيديو الذي نشره قبل يومين ويعتبر أول إصدار رسمي لتنظيم "الدولة الإسلامية" بعنوان "يا أحفاد الصحابة في لبنان" وفيه يظهر شابان لبنانيان يكيلان التهديدات في أكثر من اتجاه، لا مبرر لتوقيته ولم يأت بجديد إذا ما نُظر إليه من زاوية لبنانية صرفة، خصوصاً أنه لم يربط هذه الإطلالة بمطالب محددة أو أمور معينة، وكل ذلك يحيل أمر قراءته إلى زاوية أوسع.
عندما تضيق الأرض
أولاً، تجدر الإشارة إلى أن "داعش" يعاني منذ نحو شهرين خسائر ميدانية متلاحقة بعد تكثيف الضربات العسكرية عليه في أكثر من منطقة، سواء من التحالف الدولي أو القوات الروسية أو النظام السوري (بعد انتهاء فترة تبادل الخدمات ومنطق الاحتواء بهدف الضغط هنا أو هناك). وزير الخارجية الأميركي جون كيري يقول أمس إن "داعش" فقد السيطرة على 3 آلاف كيلومتر و600 مقاتل خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، سبق ذلك تسريب بيانات شخصية لآلاف من مقاتلي داعش "المهاجرين" ما اعتبر إما خرقاً أمنياً خطيراً لبنية التنظيم الأمنية، أو أنه تصرف مقصود يهدف إلى منعهم من الهرب وقد آن أوان قطع رأس "دولة البغدادي".
ثانياً: الافتراض المنطقي هو أن التنظيم يعاني من "شحّ" في مصادره البشرية، وهو يسعى إلى أي استعراض يمكن أن يستجلب مهووسي الجنون ممن يسميهم "جهاديين". والذي يبدو أن الجهود الدولية مع تركيا، وعليها، نجحت في قطع خطوط الإمداد البشري للتنظيم، وخصوصاً من أوروبا، وهنا تشير بعض أوساط متابعة أن ذلك إنما أتى ضمن سلّة التفاهم التركي – الأوروبي الأخير بخصوص ملف اللاجئين، وسلسلة الحوافز التي تلقتها أنقرة في هذا الخصوص.
ثالثاً: بات واضحاً أن التفاهم الأميركي – الروسي بشأن الأزمة الروسية إنما يهدف، في أحد وجوهه، إلى تفريغ "داعش" من مغزى وجودها، لا بل يحولها إلى ورقة معرقلة لجهود التسوية، خصوصاً وأن كشف أسرار التنظيم قد تحرج أطرافاً عدة، إقليمية وربما دولية. وسبق لعدد من الاستراتيجيين الأميركيين أن توقعوا انتهاء وظيفة "داعش" الإقليمية في 2017، وبالتالي إن صحّت هذه الرؤى، فإن التوقيت الطبيعي لانطلاق هذا المسار يبدأ الآن.
لماذا لبنان؟
أولاً: في التقدير أن "داعش" أراد القول بأن لبنان على لائحة أهدافه، وأن هذا البلد تحول ساحة جهاد بعد سلسلة من التفجيرات التي لم تحقق مبتغاها. لكن في الوقائع، لم يستطع التنظيم خلال 3 سنوات، ولأسباب عدّة، من إيجاد أي أرضية له في لبنان، ولا حيثية تنظيمية أو أمنية مهمة لكل من ألقي القبض عليه، بصرف النظر على طريقة تقديم كل ذلك إعلامياً لاعتبارات معروفة، بسبب أن "داعش" ومن قبله "القاعدة" لطالما لم يعتبروا لبنان أرض جهاد، بمقدار ما هو أرض نصرة ودعم، ما أبقى هذا البلد خزان احتياط لا أكثر، لكن ذلك لا يلغي من وجود خلايا قادرة على التخريب، وهو، بإطلالته هذه، إنما يسعى إلى جذب عناصر جدداً وإغرائهم بمبايعته.
ثانياً: إن هروب التنظيم إلى الاستعراض الإعلامي بساحات لم يسبق له الدخول إليها أو دخلها حديثاً (ليبيا، تونس، سيناء ولبنان) يعكس بشكل واضح تضييق الخناق عليه في امتداده الجغرافي الأول (العراق وسوريا)، وليس كما يوحي بالتمدد وتصدير نموذجه السيء.
ثالثاً: الشخصيات السياسية التي جرى تهديدها في التسجيل (الرئيس نبيه بري، الرئيس سعد الحريري، الرئيس تمام سلام، حزب الله، الوزير نهاد المشنوق، والرئيس السابق ميشال سليمان) محاطة بإجراءات أمنية معقدة، ما يصعّب الوصول إليها أو يجعل أمر تهديدها غير منطقي، ثم إن بعض الشخصيات بات خارج دائرة التأثير، هنا قد يلجأ "داعش" إلى الأهداف العشوائية المدنية أو استهداف المؤسسات الدولية لإحداث صدمة يمكن أن يستفيد منها إعلامياً ويحولها إلى "غزوة" كبرى.
رابعاً: ما ورد في التسجيل لناحية دعوة المسيحيين إلى الدخول في الإسلام، ومع أنه يبدو بعيداً عن الواقع ومغالياً في الخيال، إلا أنه يستدعي التنبه من استهداف المناطق المسيحية بأي شكل من الأشكال، لكن النقطة الأكثر تعقيداً هي تكرار التنظيمات المتطرفة الحديث عن مظلومية السنة في التركيبة اللبنانية القائمة طلباً للتعاطف، من دون العمل الجدي على معالجة هذه الإشكالية على خطورتها.
خامساً: الإطلالة اللبنانية ليست عبثية، فالتنظيم يدرك أن الفراغ والصراعات السياسية أوجدت بيئة خصبة لخلط الأوراق، ولعله يدرك أن الاستقرار اللبناني القائم في السنوات الأخيرة، هو بفعل عوامل خارجية ودولية، ومن مصلحته ضرب هذه المعادلة لايصال رسالة مزدوجة، لبنانية ودولية. هكذا فإن الافتراض المنطقي هو أن التنظيم قد يلجأ إلى محاولة تفجير الوضع عبر أهداف غير تقليدية هدفها التخريب.
من نافل القول أن الإطلالة الداعشية على المشهد اللبناني تستلزم استنفاراً أمنياً لمنع أي خرق مهما كان شكله أو مكانه، وبعيداً عن ذلك، في المشهد الأوسع، تًشي التطورات الدولية بأن ساعة التنظيم ربما تكون قد حانت، إلا إذا استحدث ظروف أعادت الحاجة إليه.