ليس من السهل على قيادة "المستقبل" هضم ما حصل على درج بلدية طرابلس، الرئيس المختار من صلب التيار عامر الرافعي يدخل على وقع هتافات المعتصمين الغاضبين، محاولا شق طريقه بينهم نحو قاعة المجلس للبت بمطلب وقف العمل بتنفيذ "مرآب التل"، تحت ضغط الشارع واستنفار الهيئات المحلية وفعالياتها. مفارقة ملفتة أن يعمد "المستقبل" إلى مواجهة طرابلس بغالبيتها الساحقة لأجل مشروع غير مقنع، ومستغرب جداً اﻹصرار عليه عشية اﻹنتخابات البلدية، إلا إذا كانت رهاناته نابعة من قناعة بعدم حصولها وتأجيلها.
كان مشهداً سوريالياً بإمتياز، قبيل إسدال الستارة على مجلس بلدي أبى في نهاية عهده أن يرحل دون أن تلاحق أعضائه لعنة مرآب التل، بإجماع أول رفضوه، وبإجماع ثانٍ عادوا عن قرارهم بناء على رغبة الرئيس سعد الحريري، وكانت "صفقة التبادل" تقضي باﻹطاحة بنادر الغزال والمجيء بعامر الرافعي رئيسا للبلدية ولو لسنة واحدة، وفق معادلة "مرآب مقابل الغزال"، أما القرار الثالث بالتأجيل فأتى بعد سيل اﻹعتراضات العارمة وإستجابة لرأي المجتمع المحلي، حيث تم ترحيل الموضوع إلى المجلس البلدي العتيد في حال أُجريت اﻹنتخابات البلدية.
أداء المجلس البلدي الحالي الذي نال 12 % من نسبة اﻻقتراع كتعبير عن إنكفاء شعبي والموسوم بالفشل الذريع منذ إنطلاقته، لم يمنع الفرقاء السياسيين في طرابلس من طرح فكرة التوافق من جديد عشية موعد اﻻنتخابات البلدية نهاية أيار المقبل، ومما لا شك فيه فإنها مهمة شاقة تلك الملقاة على كاهل أصحاب الشأن وسط تناقضات كثيرة برزت، فبدا الكلام عن التوافق مجرد أفكار متداولة لم تتبلور خطة منهجية أو تسير نحو تحديد رؤية لماهية المجلس البلدي العتيد ومهامه المستقبلية قبل الولوج في لعبة الأسماء.
أضف إلى ذلك أن ثمة صعوبات كثيرة قد تعترض أي توافق سياسي مفترض، إذ كيف السبيل ﻹقناع الهيئات المحلية بأن ما يجري ﻻ يعدو كونه محاصصة سياسية ﻻ أكثر ولا أقل؟ وما هي الضمانات في عدم إنتاج مجلس بلدي على غرار الحالي يحمل بذور النكد والكيدية ويطبعها في سلوكه طيلة 6 سنوات قادمة؟ والأهم هل من معايير محددة في إختيار مرشحين للمجلس، ومعايير معينة لاستبعاد آخرين؟
أسئلة كثيرة تضج بها طرابلس لكنها حتى الآن تبقى دون إجابات محددة، خصوصا وأن الهوى الشعبي والمزاج العام يميل نحو فكرة إعطاء الديمقراطية فرصة كي تفرز مجلساً بلدياً منتجاً، يحكمها تنافس شريف على أساس برامج وخطط عمل تضعها بين يدي الناخبين.
ثلاثي ميقاتي الصفدي كرامي
هنا يمكن تسجيل سلسلة ملاحظات في هذا الصدد؛
الرئيس الحريري ولأسباب متعددة يتلافى حصول معارك إنتخابية في كل لبنان، لكن العبرة بالتنفيذ حول إرساء تفاهمات على أساس الكفاءة وإيلاء مطالب طرابلس اﻻنمائية السعي اللازم.
الرئيس نجيب ميقاتي يرغب بمجلس متجانس، وفريق عمل موحد مع العلم بأن هكذا استحقاقات لا تحمكها النيات الحسنة فقط.
الوزير السابق محمد الصفدي وصمته الذي يفهم كعلامة رضا حول التلاقي الذي يجمعه بالرئيس ميقاتي والوزير السابق فيصل كرامي.
خارج هذا المشهد، وإن نجحت القوى الثلاث بصياغة تفاهم، يكمن التساؤل المشروع عن أطراف ترى نفسها متضررة منه وتملك القدرة على الشغب، بل من الممكن في حال نجحت بتوحيد جهودها أن تغير المعادلة، وتقضي على الهدف المنشود وهو تجنب معركة إنتخابية ليس من مبرر لتفاديها أصلا.
ظلم ذوي القربى
في طليعة هؤلاء، الوزير المتمرد أشرف ريفي حيث الخيارات مفتوحة أمامه، إلا إذا شمله التوافق المنشود، وهو أمر مستبعد للغاية، ثم إن محيطه متحمس للغاية للرد على "المستقبل" حول إثبات حجمه ووزنه الشعبي في وجه تيار الأزرق، واﻻجواء لديه تشير برغبة دفينة في دعم ﻻئحة تنافسية مع أطراف أخرى.
وظلم ذوي القربى يشمل أيضا النائب السابق مصباح اﻻحدب، والذي يفتح باب اﻹحتمالات على مصراعيه بما في ذلك دخوله شخصيا المعترك البلدي، وإن كان لم ينف كما لم يؤكد الأحاديث المتداولة عن ترؤسه ﻻئحة في مواجهة التوافق المزعوم، بل هو أقدم على خطوة ملموسة بجمعه ماكينته الإنتخابية وطرحه الصوت عاليا بأنه لن يرضى بتهميشه كما حصل سابقا.
وفي مطلق الأحوال تبقى الأمور مرهونة بلقاء ميقاتي – الحريري، وهو أمر من الصعب حصوله، وبالتالي يتحول "الحمام الزاجل" بين الرئيسين ميقاتي والحريري سبيل التواصل الوحيد، فهل يحمل اسم رئيس البلدية العتيد؟