عندما يترشح غسان سلامه إلى منصب الأمين العام لـ"اليونيسكو" ويطلب من الحكومة اللبنانية دعم هذا الترشيح يجمع في آن بين الطموح والاستحقاق، وبين تواضع السنبلة التي تنحني لكثرة ما تحمل من حبات قمح وأصول اللياقة وقمة الإلتزام بوطنيته، التي لم يتخل عنها يوماً، وهو الذي حمل إسم لبنان بافتخار حيثما حلً وترحّل.
ولكثرة ما يختزنه هذا الرجل من ثقافة متراكمة علماً وسعة إطلاع وعمقاً في التحليل والتشريح والربط والإستنتاج، تصعب على الذين يودون أن يتحدّثوا عنه مهمة إيفائه بعضاً مما يستحق، وهو المؤهل لكي يحمل إسم لبنان عالياً في أي منصب كان، وفي أي مهمة يُنتدب لها، وقد يكون المنصب الذي يطمح إليه هو من بين المناصب الكثيرة التي يمكن أن تتساوى معه في شغف العطاء، وفي البحث غير المتناهي وغير المحدود عن توسيع آفاق المعرفة وترسيخ ما يترافق معها من أخلاقيات تنبع من التشبّع بما يُكتنز بالخبرة والتفاعل بين الأنا والكتاب، وبين ما تترجمه هذه العلاقة، التي نكاد نفتقدها في عالمنا الإفتراضي، على أرض الواقع ثورة فكرية متجددة.
فغسان سلامه الذي اسندت له حقيبة وزارية على قياسه، وهي وزارة الثقافة من العام 2000 حتى الـ 2003، أعطى لهذه الوزارة ما تستحق أن تكون عليه في بلد يتغنّى بتنوعه الثقافي وانفتاحه شرقاً وغرباً، فكان حركة لا تهدأ وسعياً لا يحدّه لا تعب ولا تقف في وجهه العراقيل، وهو المؤمن بأن لا شيء يمكن أن يحدّ من طموح الطامحين، وبالأخصّ متى كان هذا الطموح بهدف مصلحة تتخطى الشخصانية لتقارب المصلحة المجردة من الغايات. وفي ذلك كان غسان سلامه، بشهادة عارفيه، رائداً وطليعيّاً.
وقد لعب سلامه في القمة الفرانكوفونية التي عقدت في بيروت في العام 2002 دوراً محورياً، من حيث الدقّة في التنظيم أو من حيث اهمية المقررات التي خرجت بها، وقد استحقت بيروت مذ ذاك التاريخ أن تكون عاصمة عالمية للكتاب، الذي يستحوذ على قسط وافر من وقت هذا الطامح إلى منصب يعليه ويعلو معه، وهو له في ميدانه صولات وجولات، نهماً في المطالعة والبحث وفي التأليف، وله فيها مؤلفات عدّة بالفرنسية والعربية، ومنها: "المجتمع والدولة في المشرق العربي"، و"السياسة الخارجية السعودية منذ عام 1945 دراسة في العلاقات الدولية"، "نحو عقد عربي جديد - بحث في الشرعية الدستورية، و"التسوية، الشروط المضمون، الأثار"، و"من الارتباك إلى الفعل التحولات العالمية وآثارها العربية"، و"أمريكا والعالم إغراء القوة ومداها".
غسان سلامه شهرته وصيته يسبقانه إلى أروقة "اليونيسكو"، وهو وسام على صدر الثقافة.