في لبنان، يموت شخص عن طريق الانتحار كل يومين ونصف. في العام 2014، كانت الاحصاءات تشير إلى موت شخص واحد كل ثلاثة أيام. الخلاصة البديهية تدلّ الى ان نسبة الانتحار ارتفعت، علماً بأن هذه الأرقام المقدرة قد لا تمثل الواقع الحقيقي بدقة، نظراً الى عدم الابلاغ عن عدد من حالات الانتحار لأسباب اجتماعية ودينية وثقافية لا تزال راسخة في مجتمعنا.
هذه الاحصاءات كشفت عنها فرح يحيى، العضو التنفيذي في جمعية Embrace التابعة للمركز الطبي في الجامعة الاميركية في بيروت، موضحة في حديث لـ "لبنان24" أن "هذه الأرقام هي الأحدث، وتُظهر بوضوح ارتفاع معدل الانتحار في لبنان مقارنة مع العامين 2013 و2014".
لكن وعلى رغم هذه النتائج، تلحظ يحيى نوراً ايجابياً يتمثل بازدياد الوعي حول هذه القضية والتي كانت (ولا تزال أحياناً) تعدّ "وصمة عار"، مثنية على اهتمام وزارة الصحة بهذا الموضوع ووضعها استراتيجية وطنية للصحة النفسية، تعمل على تطبيقها تباعاً.
وتُعنى جمعية Embrace بالتوعية حول الصحة النفسية، كما انها تهتم بتغطية تكاليف العلاج للاشخاص العاجزين عن تأمينها. وتولي قضية الانتحار اهتماماً لافتاً، اذ ما انفكت منذ عامين، تطلق حملات توعوية وطنية ("أكيد رح فيق" و "فك العقدة") تهدف من خلالها الى نشر المعلومات الصحيحة المتعلقة بجوانب الموضوع كافة وعلى رأسها ان 90% من حالات الانتحار ناتجة من امراض نفسية قابلة للعلاج، ما يعني حكماً امكانية الوقاية منه وانقاذ حيوات اشخاص كثيرين اذا ما تلقوا المساعدة في الوقت المناسب. لذلك تركز الجمعية على توعية المجتمع حول اهمية دعم الاشخاص المعرضين للاقدام على الانتحار او العائلات التي فقدت احد افرادها، لا ان يعيبونهم بسبب افكار وموروثات اجتماعية خاطئة. وحالياً، تعمل Embrace على وضع خط ساخن Hotline من اجل تلقي المساعدة الفورية والطارئة.
لماذا قتل النفس؟
علمياً، فإن للانتحار أسبابا يشترك فيها العديد من العوامل الاجتماعية والنفسية والبيولوجية. قد تكون المسببات داخلية او خارجية، كما يشرح الطبيب والباحث في علم الدماغ السلوكي انطوان سعد في حديث لموقع "لبنان24"، معددا بعضها: "قد يؤدي اي خلل بيوكيميائي في الجهاز العصبي او في التوازن الهرموني في الجسم الى الاصابة بالاكتئاب وهبوط المزاج لدرجة عدم الرغبة بالحياة. ومن المعروف ان بعض الاضطرابات في وظائف البنكرياس والغدتين الدرقية وفوق الكلوية قد تساهم في الاصابة بالاكتئاب".
غير أن سعد يشدد على عدم ربط الانتحار بالاكتئاب، اذ قد يصاب شخص ما بالاكتئاب ولا يقدم ابدا على الانتحار.
وقد تؤدي الاصابة باضطراب ثنائي القطب او الفصام الى الانتحار.
وعن العوامل الخارجية يشرح سعد: "يمكن الضغوطات المتكررة التي يتعرض لها شخص ذو "تكوين نفسي ضعيف" ان تؤدي الى خلل في بعض الجينات وبالتالي الى تغيّر نشاط الهورمونات، فيصبح الفرد غير قادر على تحملها ما يدفعه الى انهاء حياته.
واذ يدعو سعد الى التمييز بين الافكار السوداوية التي قد تمرّ في ذهن الانسان وبين محاولة الانتحار التي تهدف غالبا الى لفت الانتباه وبين الانتحار عن سابق تخطيط، يلفت الى "المُنتحر يريد الهروب من الحياة، لا طلب الموت".
وعليه، قد تكون رصاصة او حبل مشنقة او سمّ، ادوات لوضع حدّ للالم والمعاناة، كما يظنّ المنتحرون.
مؤشرات مقلقة
لكن، هل من علامات تدلّ الى ان احدهم ينوي الانتحار، وكيف على المحيط ان يساعده؟
يعدد سعد بعض "الملامح" المؤشرة لسلوك انتحاري، ومنها:
-ان يخطط الشخص لانهاء حياته "معترفاً" بنيّته او رغبته هذه. وفي هذا السياق يشير سعد الى ان الناس يظنون ان من يتحدث عن الانتحار لن ينتحر ابداً وهذا اعتقاد خاطئ، لذلك ينبغي عدم تجاهل مثل هذه العبارات. ويضيف:" البعض يتجنّب الحديث عن موضوع الانتحار مع الشخص الذي تظهر عليه بعض الاشارات "السوداوية" ظنا منه انه يحفزه على التفكير به، لكن حقيقة الامر ان هذا الشخص يفكر دائماً بهذا الموضوع. وعليه، ينبغي على المحيط محاورته وسؤاله عن نظرته الى الحياة والمستقبل والموت...، بغية تقييم حالته بشكل ادقّ.
-الرجال ينجحون في الانتحار اكثر من النساء، فهم يتوسلون طرقاً مميتة كاطلاق الرصاص على انفسهم او الشنق، فيما "تلجأ" المرأة الى نحر اوردتها او تناول كمية من الادوية، وهي بذلك ترسل اشارات لطلب المساعدة او تحاول اعلام محيطها بأنها ليست على ما يرام.
-المراهقون والمتقدمون في السنّ هم اكثر عرضة للانتحار
-الاشخاص الذين يستهلكون الكحول أو غيره من المؤثرات العقلية
-الاشخاص الذين حاولوا الانتحار سابقاً
-الاشخاص الذين يعانون من امراض جسدية ويتناولون كميات من الادوية
-الاشخاص الذين يظهرون تغييرا في طريقة التفكير بحيث تصبح غير منطقية
-الاشخاص المعزولون اجتماعياً (لذلك نرى ان العاملات الاجنبيات في لبنان يقدمن على الانتحار اذ يتعرضن الى ضغوطات شتّى تضاف الى تركهن اوطانهن، ويشعرن بعزلة اجتماعية)
وعليه، تتعدد الاسباب والعوارض وتختلف ، تماماً مثل العلاجات. يختم سعد: "الاشخاص ذوو السلوك الانتحاري ليسوا محكومين بالاعدام طبعاً اذ ثمة علاجات كثيرة ومتنوعة بحسب الحالة والمسبب الرئيسي".