قبل أحداث باريس وتونس وشرم الشيخ وبروكسل كان الإرهاب عنواناً غامضاً، أقلّه بالنسبة إلى الدول التي كانت تعتبر نفسها في منأى عن تهديداته، وهي كانت تتعامل معه على أنه بعيد عن حديقتها الخلفية، وكانت تعتقد أن محاربته تقتصر على المشاركة بما يسمى تحالفاً دولياً لضربه في عقر داره.
إلاّ أن مسلسل الأحداث الدموية المتنقلة بين عواصم الدول الآوروبية أثبت عقم هذه النظرية، إذ تبيّن أن إرهابياً واحداً لا يحمل سوى حزام ناسف قادر على تهديد السلم في أي عاصمة من عواصم العالم، وهذا ما اثبتته تفجيرات بروكسل، وجعل العالم بأسره في حال استنفار غير مسبوق، ولاقى إدانة واسعة من كل الدول والمنظمات التي تعنى بحقوق الإنسان، من واشنطن إلى موسكو، ومن إيران وسوريا حتى الرياض، في إجماع قلّ نظيره على ضرورة اجتثاث هذه الآفة التي إسمها إرهاب، بما يحمله من أفكار تكفيرية .
وإلى أن تترجم هذه الإدانات خطة حاسمة وحازمة ومحدّدة الأهداف من قبل جميع الدول التي تُعتبر هدفاً لكل أنواع الأعمال الإرهابية، يبقى هذا الشبح ميطراً على مفاصل تلك الدول المهدَّدة بأمنها الداخلي، والتي تبدو حتى هذه اللحظة عاجزة أمام هول ما يخّلفه هذا الإرهاب من خسائر في الأرواح والممتلكات، ومن مضاعفات أقتصادية، ومن قلق على المستقبل.
فإذا لم تبادر هذه الدول مجتمعة، وهي هدف مباشر، إلى وضع خلافاتها جانباً، وهي خلافات تبدو تافهة أمام هول ما يمكن أن تتعرض له من مخاطر، وإلى وضع تصور عالمي مشترك لكيفية القضاء على الإرهاب من جذوره، بالتعاون مع الدول الإسلامية المعتدلة التي ساوها بتهديده مع سائر "الدول الصليبية"، وذلك من خلال تعزيز فكرة الإعتدال، واعتبار ما يقوم به تنظيم "داعش" وسائر المنظمات المتطرفة هي أعمال منافية لروح الإسلام الذي يدعو إلى التسامح وإحترام الإنسان، أياً كان معتقده ودينه، وذلك عن طريق التوعية وتعزيز الفكرة التشاركية في تعميق المفاهيم الإنسانية.
فالإرهاب لا يُحارب بالإرهاب، وإن كان توجيه ضربات موجعة له تحدّ من سرعة انتشاره، ولكنها غير كافية لوحدها، ما لم تترافق مع عمليات ضغط لوقف تمويله وتسليحه، وتأليب البيئة التي يسيطر عليها لعزله والحدّ من شروره.
وقد يكون ما أعرب عنه الأزهر الشَّريف عن إدانته الشديدة للهجمات الإرهابية التي وقعت بشكل متتابع في العاصمة البلجيكية بروكسل مقدمة لا بدّ منها للقضاء على الإرهاب، الذي اعتبر أن الإقدام على هذه الجرائم النكراء يخالف تعاليم الإسلام السمحة وكافة الشرائع السماوية والأعراف الإنسانية، مشددا على أنه إذا لم تتوحد جهود المجتمع الدولي للتصدي لهذا الوباء اللعين فلن يكف المفسدون عن جرائمهم البشعة بحق الأبرياء الآمنين.
فهل تكفي هذه الدعوات إلى الحدّ من هذه الجرثومة التي تهدّد المجتمع الدولي بأمنه، أم يجب أن يتحّول كل واحد منا إلى إرهابي لمحاربة الإرهاب باسلوبه؟