يترنح الاتحاد الأوروبي كعجوز خانته قدماه. صفعات الارهاب توجعه إلى حدّ التخبط في دوّامة لا يستوعب متى وكيف دخلها ولا يعرف السبيل الى الخروج منها. بعد تفجيرات فرنسا وبلجيكا مؤخراً، تأكد للأوروبيين انهم بخطر. الاتحاد الذي حلموا به واحة بدون حدود، للسلام والانفتاح والحرية، لم يعد كذلك... فما العمل؟!
يكتب أهل الصحافة في اكثر من دولة اوروبية كما لم يفعلوا من قبل. بات لزاماً عليهم مقاربة الموضوع من ناحيته السياسية، لا الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية وحسب. انها الحرب! برأيهم، لم يعد مسموحاً ان يضغط السياسيون وصناع القرار على زرّ Snooze. جرس الانذار يجب أن يُسمع ويُتبع باستفاقة. لكن ما هي الحلول المناسبة حقاً؟ فرط اتفاقية شنغن واغلاق الحدود؟ ضرب الارهاب في معقله؟ أم المواظبة على زيارة الحانات وتبادل انخاب الحرية والمواجهة السلمية والصبر على قاعدة Keep calm and carry on ؟!
منطقياً، لا تُجترح الحلول الا بعد أن يُكشف اللثام عن المشكلة الاساسية. برأي الكاتب والمحلل السياسي سام منسى، "فإن الارهاب المحدق بأوروبا ليس سوى نتيجة مشكلة أكبر، عنوانها الحرب في سوريا".
في قراءة سياسية خصّ بها موقع "
لبنان24"، يلفت منسى الى وجود أكثر من عامل مشترك وراء استهداف بلجيكا تحديداً: "فهي مركز الحلف الاطلسي وعاصمة الاتحاد الاوروبي فتغدو بالتالي صندوق بريد لايصال الرسالة الى الاوروبيين، وقد تكون ملعبا سهلا متاحا امام الارهابيين والاجهزة الاستخباراتية، من دون ان نغفل طبعاً عن ان استهدافها قد يكون مرتبطاً بالقاء القبض على أحد المتورطين في احداث باريس". لكن ما هي الرسالة الموجهة الى الاتحاد الاوروبي؟
لا ينكر منسى ان الارهاب ليس وحده عامل الضغط الذي تواجهه اوروبا، فقضية الهجرة واللجوء الكثيف من دول الاضطرابات تثقل كاهل هذه الدول. لكنّ هذين العاملين الضاغطين يُستخدمان من قبل أطراف مختلفة لاهداف سياسية مرتبطة بالموقف الاوروبي من الازمة في اوكرانيا وسوريا. هذا ليس تبنياً لنظرية المؤامرة، يقول منسى، بل ما تخلص اليه مراقبة منطقية لما يجري: "ليس خافياً التباين بين موقف الاتحاد الاوروبي من الحرب في سوريا ومصير الأسد وبين الموقف الروسي – الايراني - السوري، ما يعطي انطباعا بأن الرسالة تضغط نحو تغيير الموقف الاوروبي".
ويعتبر منسى أن الإجراءات الأمنية الضعيفة في دول الاتحاد الاوروبي قد تجعله خاصرة رخوة يسهل ضربها، لكنه لا يميل الى الجزم بأن الاعمال الارهابية التي تنفذها الجماعات الاسلامية المتشددة وداعش ناتجة من "قرار" فردي بحت: "على الأرجح، فإن هذه الجهات مخترقة من قبل اجهزة استخباراتية متعددة تعمل على تجنيدها لاغراض سياسية، مستغلة عدم اندماج المهاجرين في المجتمعات الاوروبية ومشاكلهم الاقتصادية"، متسائلاً: "هل أوروبا هي حقاً مشكلة داعش الرئيسية، أم التحالف الدولي بقيادة الاميركيين، وروسيا وايران واسرائيل، وهي دول تحمل علنا لواء ضرب داعش والقضاء عليه؟
ما الحلّ اذاً؟
برأي منسى، تنطوي الحلول على سلّة من الاجراءات تشمل سياسة هذه الدول الداخلية كما الخارجية. فكرة اغلاق الحدود تنمّ عن قصر نظر سياسي وقلّة صبر وضعف، لا سيّما وان المرتكبين (في احداث باريس وبروكسل) يحملون جوازات سفر اوروبية.
لكن هذا لا يعني عدم تغيير سياسة الهجرة التي ما انفكت اوروبا على تطبيقها منذ سنوات لتحصد نتائجها اليوم. الانكى برأي منسى، وما وصفه "بالسذاجة الاوروبية"، ان الدول الغربية لا تزال ماضية في هذه السياسة اذ تعمل على استقبال اللاجئين واستيعابهم ان لاسباب اقتصادية او انسانية، دون التفكير بحل ّالمشكلة الاساسية فورا ومن دون تأخير او تلكؤ، اي حل ّالازمة السورية ووقف الحرب واعادة اللاجئين الى بلادهم.
خلاصة القراءة ان ضرب الارهاب في معقله لا ينفع، فهو مائل الى النموّ طالما ان هناك تغليباً لفريق او طائفة على حساب اخرى، وطالما ان هناك دولاً "منفخّة" تلعب اداورا اكبر منها (روسيا وايران) ودولا اخرى تمّ تصغير حجمها (كالسعودية وتركيا). على الدول الاوروبية ان تضغط باتجاه انهاء الازمة السورية، كي يتسنى للقارة العجوز استعادة شبابها وأمنها!