عاد رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري من العاصمة الروسية نهاية الأسبوع المنصرم دون أن يدرك أحد تماما المغزى الحقيقي لتحركه المفاجئ باتجاه غير متوقع، نظراً لانتمائه الى خط إقليمي لا يتناغم مع سياسات موسكو في المنطقة، لا بل أنّ هذه القرارات غالبا ما تبدو معاكسة للمحور السعودي الذي ينتمي اليه الزعيم السني.
ورغم التباين في وجهات النظر حول السياسات الإقليمية، من المعلوم أن للحريري علاقات ممتازة مع جهات روسية عديدة، إلا أن ظروف الزيارة غداة الانسحاب الجزئي الروسي من سوريا وفي زمن الوقت الضائع في سدّة الرئاسة اللبنانية استوقفت المراقبين، فكان من الطبيعي ربط الأمور بعضها البعض واستنتاج الأبعاد السياسية للتحرّك الحريري.
خلال اللقاء الذي جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالحريري، تحدّث الرجلان مطولا عن الملف الرئاسي، وألحّ الحريري على بوتين أن يساعد على حلحلة هذه الأزمة العالقة نظرا لما له من نفوذ في المنطقة، وهو نفوذ أمنته موسكو لنفسها عبر البوابة السورية، ويأمل الحريري أن يترجم عمليا عبر ضغط روسي على ايران من جهة، وعلى حزب الله من جهة أخرى، للتوصل الى نتيجة مقبولة في الملف الرئاسي اللبناني العالق، على أساس ما لموسكو من "مونة" على طهران والحزب نتيجة التنسيق والتواصل بين هذه الأطراف في سوريا.
فهل طلب الحريري مساندة بوتين لإقناع ايران و"حزب الله" بمرشحه النائب سليمان فرنجيه، أم أنه أبدى من جهته ليونة في الملف الرئاسي واستعداده للبحث باسم جديد يستقطب موافقة الجميع، مما يعيد الى الطاولة إمكانية التوصل الى اتفاق حول مرشح ثالث بعيدا عن الفيتويات والتعقيدات التي رافقت طرح فرنجية والجنرال ميشال عون، ويكون في هذا التوجه الأخير استكمال لما أشيع حول زيارة النائب وليد جنبلاط الأخيرة الى باريس ولقائه أعلى المسؤولين الفرنسيين بحثا عن مخرج للرئاسة يتضمّن إمكانية اللجوء الى مرشح من خارج الأسماء المتداولة؟
بحسب مصادر ديبلوماسية رفيعة، من غير المستبعد أن يكون طرح مرشح توافقي قد أخذ حيزاً واسعاً من نقاشات الكرملين. وبحسب هذه المصادر، من المؤكد أن بوتين قد أبدى جهوزية كاملة للمبادرة الى البحث عن حلول للأزمة الرئاسية، حتى أنّ بعض القنوات الروسية قد باشرت مساعيها في هذا الاتجاه، مقترحة على الجهات الأميركية إقامة اجتماع حول هذا الموضوع تحت رعاية الدولتين، تشارك فيه الأطراف المحلية المعنية بالملفّ، الا أنّ هذا الطرح لم يقنع الأميركيين نظرا لما يكرّسه من تدخّل دولي في مسألة هي في المبدأ على الأقلّ مسألة داخلية لبنانية.
واذ تبدو الأهداف السياسية التي يطمح اليها الحريري من هذه الزيارة شبه واضحة، يبقى السؤال الأهم حول ما قد يبغيه سيد الكرملين نفسه من استقباله الحريري، خصوصا أنّ هذا الاستقبال لم يكن مؤكدا وانّ لقاءات الحريري كانت مرشّحة لأن تقتصر على اجتماعه بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ليتثبت الموعد مع بوتين في اللحظات الأخيرة من الزيارة. وما يزيد من هذه التساؤلات هو أن الحريري لا يتمتّع حاليا بصفة رسمية في الداخل اللبناني رغم كونه رئيساً سابقا للحكومة، وأن صفته كرئيس تيار لبناني، على أهميتها، إنما تبقى غير كافية لتفسير استقبال بوتين له في هذه الظروف المعقدة ولتعليل الحفاوة التي أبداها اتجاهه كما نُقل عن أجواء الاجتماع، ولا الاهتمام الإعلامي الروسي بالزيارة والتغطية الموسعة لها، والتي لا تكفي علاقات الحريري الدولية الواسعة والمميزة لتفسيرها.
من الممكن أن قيصر موسكو أراد من خلال استقبال الحريري قبيل زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز أن يوجه رسالة الى ضرورة تعزيز علاقاته السنية بعدما إتهم بدعمه للمحور الإيراني- الشيعي وحمايته للأقليات من مسيحية وعلوية حصراً، من جهة، وأنه يريد ضم الجهود مع "الإعتدال السني" لمواجهة التطرّف المتمثل بداعش وأخواتها من جهة ثانية، ومن المؤكد من جهة ثالثة أن بوتين يطمح لدور أكبر في الشرق الأوسط بعد ان عزز قاعدته العسكرية في سوريا وبنى وداً شديداً مع القاهرة، وعلاقة مقبولة مع الرياض ودول مجلس التعاون هو يسعى لتحجيم تركيا وتطوير نفوذه ما يستوجب التلاقي مع كل الأطراف العربية بغضّ النظر عن أحجامهم الحالية كبادرة تكريس حسن النوايا تجاه أهل المنطقة.