في وقت بدا أن مفاوضات "جنيف 1" و"جنيف 2" إنتهت دون تسجيل أية نتائج تذكر لإنهاء الأزمة السورية المستفحلة منذ 2011، تتجه الأنظار حالياً إلى مفاوضات "جنيف 3" التي انطلقت الأربعاء الماضي، كبقعة ضوء وسط الركام لإنجاز، ولو بالحد الادنى، عملية الانتقال السياسي الموعودة. فبحسب الموفد الدولي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، سيتم التركيز عليها وعلى مبادئ الحكم الإنتقالي والدستور العتيد.
السؤال المهم الذي على أساسه تتحدد نتائج المفاوضات إلى حدّ بعيد هو: كيف يبدو المشهد حالياً في الميدان السوري؟ باختصار الهدنة السورية الهشّة ما زالت "شبه صامدة"، رغم الإنتهاكات التي خرقتها مؤخراً "النصرة" في حلب، "داعش" يتمدد في نواحي قريبة من العاصمة دمشق، النظام في موقع القوة بعد سيطرته على بلدة العيس في معارك حاسمة في ريفي حمص وحلب. فهل ستنجح المفاوضات الحالية، خصوصاً أن قوى المعارضة أبدت استعدادها للمشاركة في هيئة حكم انتقالي مع أعضاء حاليين من حكومة الرئيس السوري بشار الأسد، لكن ليس مع الأسد؟
التقارب الاميركي- الروسي.. تلاشى
يقول المحلل السياسي الدكتور سامي نادر في حديث مع "لبنان 24" إن "مفاوضات "جنيف 3" سيكون مصيرها كسابقاتها، الفشل"، أما السبب الأساس فيكمن في أن "التقارب الذي عول عليه بين الدولتين الوحيدتين اللتين كانتا يدفعان باتجاه الحل، أميركا وروسيا، تلاشى بينهما، وذلك بعد إرسال أميركا 500 عسكري غربي إلى أوكرانيا، وكان التقارب سبقه قطيعة طويلة بسبب الأزمة الأوكرانية"، بحسب قوله.
ويشرح نادر أهداف القوتين العظميين قائلاً: "من الجهة الروسية المشهد كالآتي:
أ - تغير موازين القوى على الأرض واستثمارها ديبلوماسيا، وهم يدركون أن التورط عسكريا لمدة طويلة ليس في مصلحتهم،
ب - يريدون التحرر من عقدة أفغانستان.
جـ - تثبيت موقع النظام وإبقائه تحت رعايتهم وانتزاعه من الحضن الإيراني، للإفادة منه.
د - تأمين خطوط الامداد النفطي والعسكري في المنطقة الشمالية، وهو أولوية بالنسبة لديهم ويصب في مصلحة الخارجية الروسية.
أما من وجهة النظر الأميركية: فالهدف الأساسي إنقاذ إرث سياسة الرئيس الاميركي باراك اوباما، قبل انتهاء ولايته، وإبراز صورة أن أميركا لم تفشل في الحرب على الإرهاب"، مضيفاً: "لكن الأمور انعكست سلباً بسبب عدم التوافق على أزمة النازحين من جهة، وصعود اليمين المتطرف من جهة أخرى (ظاهرة المرشح الجمهوري دونالد ترامب)، التي زادت من حدة الترددات الداخلية في أميركا".
الروس للأسد: لست لاعباً رئيسياً
ويضيف: "للأسف الهدنة لن تستمر طويلاً والنظام يشعر بخيبة أمل من الروس بعد أن بدل الأخير موقفه من انخراطه لبدء عملية السيطرة على مدينة حلب، ثاني أكبر مدن سوريا"، لافتاً إلى أن "الروس يريدون إبقاء النظام السوري أسيراً لديهم ولن يسمحوا له بأن يصبح لاعباً مستقلاً، مع الاشارة إلى أن الأسد تنازل للروس حين أعلن للمرة الأولى عن استعداده لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة"، وذلك بعد أيام من إعلان الروس انسحابهم "التكتيكي" من سوريا".
وفيما التقارب الإيراني-السعودي مستحيلاً في هذه المرحلة، وفيما يواجه التقارب الروسي- الاميركي مطبات حول المصالح المتباعدة في أوكرانيا، فإن وقف إطلاق النار مهدد، إذاً ما الحل؟ يعتبر نادر أن "الحل هو بـ" قوة عربية سنية مشتركة"، وهنا تكمن أهمية اللقاء بين الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وإعلان عزمهم إنشاء هذه القوة لمكافحة الارهاب".
البديل بعد انحسار داعش؟
المفارقة الكبرى أنه على الرغم من إعلان التحالف الاميركي والروسي، بالإضافة إلى التحالفات العسكرية على الأرض، مكافحة التنظيمات الإرهابية بشتى الطرق، فإنها تتوسع، ما يثير التساؤل حول فشل هذه التحالفات، هنا يرد نادر سائلاً: "ومن يملأ الفراغ بعد انحسارها، ومن هو البديل النظام أم المعارضة؟ هنا تكمن المعضلة".
ويشرح قائلاً: "سابقاً، حاول النظام من خلال قوى شيعية ("حزب الله" وفصائل عراقية وإيرانية) أن يبدد هذه التنظيمات فازدادت الامور تازماً وانتهت بصراع شيعي-سني في المنطقة، فانسحب بوتين، والمحاولة الثانية كانت عبر استقدام الاكراد للمواجهة العسكرية، لكن الخطة نجحت في كوباني فقط، ووصلوا الى طريق مسدود في المدن الاخرى"، يتابع: المشكلة الحالية أن النظام والمعارضة اتفقوا على حكم انتقالي، لكن "كلٍ على طريقته"، وفيما النظام هو العنصر الرابح حالياً، فإنه لن يقبل بالتنازل".
في جنيف، المفاوضات جارية والتفاؤل ضئيل، ومن المنتظر أن يصل وفد النظام السوري اليوم للإنخراط في المحادثات، وذلك بعد غياب سببه الإنتخابات التشريعية التي تجري في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، على وقع رؤيتين متعاكستين: "الواجب الوطني" و"غير الشرعية".