زيارة فرانسوا هولاند للبنان لا تحمل أي جديد سوى خرق الروتين الذي يحلّ على البلاد، وذلك ليومين، يغادر من بعدها الرئيس الفرنسي بيروت نحو اتجاهات أخرى في المنطقة، فيعود أهل الحكم الى ملفاتهم المعلّقة وخلافاتهم المستدامة ونقاشاتهم العقيمة، في انتظار حلول خارجية لمسائل داخلية، وللبعض منها أبعاد إقليمية واضحة، وعلى رأسها الملف الرئاسي.
ومن المؤكد أن هولاند عاجز عن تقديم أي جديد على هذا الصعيد، نظراً إلى دور فرنسا الذي بات محدوداً في لبنان كما في المنطقة، في ظلّ التناغم الأميركي - الروسي المتزايد والاتفاقات المعلنة وغير المعلنة بين هذين اللاعبين الأساسيين، والذي تطور دورهما في هذه البقعة من العالم على حساب النفوذ الأوروبي والفرنسي تحديداً، بعدما كان لباريس على وجه الأخص تأثير نوعي على مجرى الأمور، وخصوصاً في لبنان.
وقد يكون للحيثية، التي نجحت موسكو في استحصالها لنفسها وفرضتها على الآخرين بعد تدخلها في سوريا، الدور الأكبر في ازاحة النفوذ الاوروبي ومن ضمنه الفرنسي. وتبدو بالتالي زيارة هولاند كمحاولة بائسة لإحياء صورة فرنسا كدولة مؤثرة على الأحداث العالمية والشرق أوسطية تحديداً.
وبالإضافة الى المعطيات الإقليمية الجديدة وتأثيرها على موازين القوى الدولية في المنطقة، فان تراجع الدور الفرنسي في لبنان مؤخراً قد يكون مردّه الى أمرين أساسيين: فشل فرنسا حتى الساعة في الضغط على المملكة العربية السعودية لإحياء هبة الثلاث مليارات دولار أميركي، التي كانت السعودية قد أقرّت دفعها للجهات الفرنسية لتجهيز ومساعدة الجيش اللبناني، ما دامت فرنسا ستحصل عليها لتغطية كلفة هذه الأجهزة من دون أن يتضح مصير المعدّات الفرنسية الصنع والى أي جهة سوف يتمّ إرسالها.
أما الأمر الثاني، فانّ الانطباع الذي أوحى به هولاند، ولو عن غير قصد وتصميم، بأنه مرتبط بأحد المرشحين الى الرئاسة اللبنانية، أي رئيس "المردة" النائب سليمان فرنجية، وهو الذي اتصل به مباشرة بعد المبادرة الباريسية التي أطلقها رئيس تيار "المستقبل"، والتي أدّت الى ترشيح فرنجية، فقد أثار امتعاض البعض داخلياً واستفزّ عدداً من الجهات الإقليمية المعنية بالقرار الرئاسي، مما أدّى تلقائيا الى تقلّص هامش التصرف الفرنسي في الداخل اللبناني.
الحلّ في سوريا بين واشنطن وموسكو
ولأن لبنان مرتبط مباشرة أو غير مباشرة بسوريا، لا بل أنه غالباً ما يُنظر الى الداخل اللبناني كامتداد للواقع السوري، يجعل محاولات فرنسا توسيع حجم نفوذها ورقعة تأثيرها على مجرى الأمور في لبنان أمراً مستعصياً، خصوصاً أن حجم دورها في سوريا مرتبط أصلا بالتناغم المستجدّ بين موسكو وواشنطن حول الأزمة السورية، وأنّ الجميع في انتظار بلورة الإمور في البلاد المجاورة في ضوء ما يحكى عن اتفاق شبه تام بين الطرفين حول الملفّ السوري وتداعيات هذا الاتفاق على الساحة اللبنانية.
وتلتقي مصادر ديبلوماسية وسياسية متابعة لموضوع الأزمة السورية على الجزم بأن الحلّ في سوريا اصبح واضحاً، ولو أن وضعه قيد التنفيذ لم يبتّ توقيته بعد. وتجمع هذه المصادر على القول إن الولايات المتحدة وروسيا متفقة على الركائز الأساسية التالية:
1- التأكيد على وحدة سوريا بعكس التكهنات والرهانات القائمة على تقسيمها.
2- إعادة صياغة الدستور السوري بشكل تنتقل معه صلاحيات عديدة وأساسية من رئيس الجمهورية الى الحكومة.
3- إلغاء الانتخابات النيابية التي أقدم عليها النظام مؤخراً وإجراء انتخابات نيابية جديدة، وذلك لحظة تطبيق بنود الحلّ، على أساس أن الانتخابات التي حصلت غير مجدية وغير معبّرة في نظر المجتمع الدولي، حتى أن ّروسيا نفسها اعترضت عليها في ظلّ الأجواء غير المستقرة في سوريا.
4- تشكيل حكومة تقوم على ثلاث عشرات، أو أقلّه حصص توزّع بالتساوي في اتجاهات ثلاثة: عشر وزراء موالون للنظام ولكنهم مقبولون في الأوساط المعارضة، عشر وزراء للمعارضة غير المسلحة، وعشر وزراء مستقلون.
5- السماح للرئيس السوري بشار الأسد بترشيح نفسه من جديد لرئاسة الجمهورية، وهو تنازل يشاع أنّ واشنطن وافقت عليه، مقابل الموافقة الروسية على المبدأ السادس من الاتفاق:
6- السماح للسوريين المقيمين في البلدان الذين نزحوا اليها بالتصويت، وهذا ما يرفضه الأسد حتى الساعة، ما يشكّل نقطة خلاف أساسية بينه وبين موسكو. ورفض الأسد لهذا المبدأ مردّه ان تصويت النازحين السوريين على أراضي معادية للنظام السوري كتركيا والأردن من الصعب أن يصبّ في مصلحته. وأما في لبنان، فقد يكون للنازحين حرية أكبر في اختيار من يريدون نظراً إلى لحياد لبنان النسبي عن الأزمة السورية، إنما تُعتبر أكثرية النازحين الموجودين على الأراضي اللبنانية غير موالية للأسد أصلا. وأما حجّة هذا الأخير لرفض تصويت النازحين فتقوم على أنهم سوف يتعرضون لضغوط جمّة من قبل السلطات المستضيفة لهم، بينما تصرّ موسكو على موقفها المبدئي من الشأن الرئاسي على أنّه موضوع يقرّره السوريون، أي كلّ السوريين، بما فيهم من غرّبتهم المعارك الدامية في بلادهم.