يُطلَق على الاسرائيليين المولودين في الأراضي المحتلة تسمية "صباريم"(المصطلح مشتق من نبتة الصبار في اشارة الى ما تتمتع به من قدرة على الصمود).
وعُرف عن ارييل شارون (من مواليد بلدة "خربة الحية" التي بدّل الاسرائيليون اسمها الى "كفار ملال") أنه آخر "الصباريم"، قبل أن يتولى بينيامين نتنياهو (مواليد تل أبيب) رئاسة الحكومة ويقدّم نموذجاً جديداً كممثل عن الاجيال الحالية التي ورثت مشروع الكيان عن الاشكينازيم والسفارديم.
بهذا المعنى يجد نتنياهو نفسه مسؤولاً عن الحفاظ على الإرث السياسي التوسعي لأسلافه.
في الأشهر الثلاثة الأخيرة، ومع تزايد الحديث عن تفاهم أميركي ـ روسي تجري بلورته حول سوريا، صعدّت اسرائيل من مواقفها العالية النبرة ضد "حزب الله"، ما استدعى اطلالات عديدة للسيد حسن نصر الله لتثبيت معادلات الردع وتعزيزها. غير أن جلسة الحكومة الاسرائيلية في الجولان المحتل وزيارة نتنياهو المثيرة للجدل لروسيا من حيث الشكل والتوقيت بالنسبة إلى الإعلام الاسرائيلية تستحضران جملة ملاحظات يجب التوقف عندها لفهم ما يجري عند الجبهة الشمالية لاسرائيل:
سبق الضجة الاسرائيلية المفتعلة حول الجولان حدث مرّ مرور الكرام في الإعلام العربي: اعتراف رئيس الوزراء الاسرائيلي للمرة الأولى بتنفيذ عشرات العمليات داخل سوريا، في معرض العمل لمنع "حزب الله" من حيازة أسلحة نوعية "كاسرة للتوازن".
ظلّ هذا الاعتراف رهينة ضرورات المصلحة الاسرائيلية ازاء ما يحدث في سوريا طيلة السنوات الماضية، وافشاؤه الآن يعني أن ظرفاً مستجداً دفع بنتنياهو الى رفع الصوت عالياً. وبما أن شيئا لم يتغير في الخارطة الداخلية الاسرائيلية، فالأرجح أن هذا الظرف ناجم عن عامل خارجي شديد التأثير رأت فيه القيادة السياسية للاحتلال عنصر تهديد محتملاً لمصالحها الاستراتيجية في سوريا.
عنصر التهديد هذا مرتبط باحتمالات التسوية الدولية في سوريا (وإن كان أفقها النهائي لا يزال بعيداً في المدى المنظور).
ترسم موسكو وواشنطن ملامح هذه التسوية بتأنٍ وعناية، وكما هو حال اللاعبين الصغار في المنطقة الذين يخوضون غمار التخبط في مساعيهم للحفاظ على مصالحهم امام رَكب اتفاق الكبار، فإن اسرائيل في مكان تعاني ما يعانيه بقية اللاعبين في الشرق الأوسط. وبما أن الحدود الجيوسياسية للمنطقة في صلب التفاهمات الكبرى، فإن الجولان هو أحد عناوينها الكبيرة في سوريا (في الفترة الماضية تم طرح نظريات متعلقة بالساحات الاخرى كتوطين السوريين في جزر في البحر المتوسط، او اقامة دولة للفلسطينيين في سيناء).
بكلمات أخرى، ما الصوت المرتفع لنتنياهو بشأن الجولان (وربطه الموضوع بتهديدات تطال الأمن القومي لاسرائيل من قبيل تحوله الى جبهة مفتوحة) إلا نتيجة خشية اسرائيلية من عدم لحاظ التسوية الكبرى لمصلحة اسرائيل في هذه النقطة تحديداً (من هنا يمكن فهم لغة نتنياهو في لقائه بوتين باعتماده مصطلح "الخطوط الحمراء" اكثر من مرة).
ما عدا ذلك، فأغلب الحديث الاسرائيلي عن احتمالات الحرب مع "حزب الله" يقع تحت دائرة التهويل وخدمة لأهداف سياسية (من بينها قضية الجولان)، خاصة أن التقديرات المعتبرة داخل اسرائيل لا تزال تصطدم عند ثابتة حرب تموز 2006: اسرائيل لن تخوض حرباً جديدة ما لم تكن محسومة النتائج.
أما التلويح بالسلاح الكاسر للتوازن فهو ضرورة اسرائيلية يدحضها الاسرائيليون أنفسهم بحديثهم المتكرر عن قدرات نوعية لـ"حزب الله"، وبعض هذه القدرات اختبر الاسرائيليون بصمت مدى خطورتها في الأيام الأخيرة لحرب تموز 2006.