لطالما طبعت نسبةُ المشاركة البيروتية المتدنية تاريخياً الإنتخابات البلدية في بيروت، وقبل ست سنوات لم تتجاوز الـ 20 %. مما لا شك فيه أن هذه النسبة تعكس مدى استياء الغالبية الساحقة من ناخبي بيروت من أداء المجالس البلدية التي تعاقبت، والتي كانت الغلبة فيها لتيار "المستقبل"، الذي حسم المعارك البلدية لصالحه منذ العام 1998.
عدد الناخبين في عاصمة الوطن لم يتجاوز85 الف ناخب، من أصل 453ألف، وبالتالي 80 % بالمئة من أهل بيروت أي حوالي 360 ألف ناخب نأوا بأنفسهم عن استحقاق مدينتهم البلدي، وفي ذلك رسالة، عن رفض البيروتي من خلالها محاولات جرّه إلى خيارات بلدية، لم تتمكن طيلة هذه الأعوام من كسب ثقته. يُضاف إلى ذلك الأداء السيء للمجلس البلدي الحالي برئاسة بلال حمد الذي أغضب أهل البيت قبل غيرهم، وفاحت من هذا المجلس روائح الفساد والصفقات، ولعل أبرزها ما حكي عن تكلفة لامست الـ 500 ألف دولار، أنفقتها البلدية على الدراسات الهندسية لتحويل الملعب البلدي في الطريق الجديدة إلى مركز مدني رياضي بيئي، في حين أنّ المشروع توقف، وكاميرات بيروت وغيرها من القضايا، ما دفع الرئيس سعد الحريري إلى الإشارة علناً إلى اخفاقات المجلس البلدي، بقوله " لن أتهاون مع أي تقصير، أنا لم أكن هنا، ولكنني اليوم هنا وسأبقى معكم في بيروت".
من هنا انطلقت " بيروت مدينتي " في حملتها وخاطبت هذه الأكثرية الصامتة في رسائلها، محاولة استنهاضها وكسب أصواتها، هذه الأصوات التي من شأنها أن تقلب المعادلة البيروتية رأساً على عقب فيما لو قالت كلمتها في صندوقة الإقتراع . فجاء شعار اللائحة الأقوى في منافسة لائحة " البيارتة ": "صمتُك صوَّت ضدّك "، وأرادت "بيروت مدينتي" من خلاله أن تقول للناخب البيروتي الممتنع عن المشاركة، إنه اليوم للمرة الأولى أمام تجربة بلدية لا سابق لها في تاريخ العمل البلدي البيروتي، أتت من خارج نفوذ السلطة وأحزابها ومنتفعيها، لتقارب همومه وهواجسه .
ولأن أعضاء لائحة المجتمع المدني شأنهم شأن كل البيارتة، غير راضين عما آلت إليه أحوال "ست الدنيا"، وجهوا سؤالهم إلى ابناء بيروت: "هل أنت راض" عن حال مدينة أغرقوها بالنفايات، وسلبوا أهلها حقهم بارتياد شواطئها لصالح حيتان المال، وجعلوا شبابها يبحثون عن مسكن لهم خارج أسوارها، وأُقفلت نوافذ مساكنها خوفاً من هوائها المشبع بالتلوث والجراثيم؟ فأتى برنامج "بيروت مدينتي" الإنتخابي ليحاكي هذه العناوين، وأن كان متشابها مع برنامج " البيارتة "، وكلاهما عناوين حالمة وقضايا كبيرة عجزت الحكومة عن مقاربة الحد الأدنى منها على مدى عقود مضت .
على أي حال أنظار المراقبين تتجه عشية الإستحقاق البلدي إلى نسبة المقترعين في عاصمة الوطن، والشارع البيروتي لا يعيش الحماسة نفسها التي تبديها القوى السياسية وماكيناتها الإنتخابية ، ولا سيما تيار "المستقبل" وزعيمه الذي أمضى أسبوع الإنتخابات متنقلاً من شارع إلى آخر، يستنهض مناصريه ويستعيد "زي ما هي" متسلحا بـ "عدم كسر وصية المناصفة"، خوفاً من خسارة أو خرق ما، لن يكون قادراً على تحمل تبعاته في توقيت هو الأسوأ في رزنامته المالية والسياسية.