كشفت حماوة التحضيرات لمعركة البلدية في أكثر من منطقة لبنانية أن الديمقراطية تسري في عروق اللبنانيين، وهي متأصلة فيهم حتى العظم. واثبتت كثرة اللوائح والإقبال الكثيف على الترشح، وبالأخص من قبل الجنس اللطيف، أن هذه الديمقراطية على رغم ما شابها من محاولات طمسها وتهميش دورها في تجديد الحياة السياسية والإنمائية، لا تزال في خير، وهي تحمل بشائر تغيير حقيقي، أقله على الصعيد المحلي، حيث الجميع يعرفون بعضهم البعض، ويعرف الكبير والصغير من خدم بلدته بأمانة ومن هو جدير بالثقة التي أعطيت له، والتي ستعطى له مجدداً، ومن فرّط بهذه الأمانة وحاول استغلال موقعه الخدماتي لتحقيق مآربه الخاصة.
غداً سيكون اللبنانيون في عاصمتهم بيروت وفي البقاع وبعلبك والهرمل، وبعده في جبل لبنان وفي الشمال والجنوب، على موعد مع صندوقة الإقتراع، حيث سيكون لصوتهم قوة إحداث الفرق والتغيير، مع ما يتطلبه هذا الأمر من وعي لأهمية الورقة التي سينزلونه في هذه الصندوقة، التي ستحمل في نهاية يوم إنتخابي طويل بعضاً من أحلامهم وطموحاتهم.
غداً سيفشّ اللبنانيون خلقهم، وسيقبلون على مراكز الإقتراع بحماسة تعويضاً عن حق منعوا من ممارسته، لمرتين متتاليتين، في دورات انتخابية نيابية.
غداً سيقول اللبناني كلمته، وسيكون لهذه الكلمة وقع خاص، خصوصاً أن هذه الإنتخابات تأتي متزامنة مع كمّ هائل من الفضائح التي انتشرت أخبارها على صنوبر بيروت، ونشر الغسيل الوسخ على سطوحها، وبعد "أزمة العصر" المتمثلة بأكوام النفايات التي حاصرتهم من كل حدب وصوب، والتي نغصّت عليهم العيش الهني، وشاركتهم في لقمة العيش المغمسة بالعرق وأحياناً كثيرة بالدمّ، وهددتهم بصحتهم وصحة عيالهم.
غداً سيكون للبنانيين موعد مع يوم الحساب، بعيداً عن منطق المحادل والبوسطات. وحدها القناعات ستكون حاضرة بقوة، على رغم نزول الأحزاب بثقلها في المعارك الأنتخابية، علماً أن العائلات بمعظمها تنتمي إلى هذه الأحزاب، ولكن العصبية العائلية تبقى هي الطاغية، خصوصاً أن لهذه الإنتخابات طابعاً إنمائياً أكثر منه سياسي، بغض النظر عن رأي الناس بأداء الطبقة السياسية، ومن بينها الأحزاب، وهم في الأساس يحمّلون هذه الطبقة مسؤولية ما آلت إليه أوضاعهم المزرية على كل المستويات.
ولأن غداً لناظره قريب، فإن هذه التجربة، في حال نجاح خيار الناس، ستكون بمثابة "بروفا" لما هو آتٍ في قابل الأيام، سواء تمّ الأتفاق على شكل قانون الإنتخابات أم بقي القديم على قدمه، إلاّ إذا صبّت مصالح الذين سيقررون هوية القانون العتيد في المكان الذي لا يمكّن المواطنين من التعبير عما يريدونه، بحيث يبقى منطق المحادل والبوسطات هو السائد، ويكون منطق "تي تي " هو السائد.
فهل يكون يوم غد، وبعده ثلاثة احادات، بداية الوعي والتغيير، وهل ستتحول صندوقة الإقتراع إلى وسيلة للمحاسبة والإقصاء أم ستبقى مجرد صنوق فرجة؟