أمام أحد مقاهي ساحة ساسين، يجلس شابان على طاولة صغيرة تتوسطهما قصاصات صغيرة تحمل كومة من الأسماء المعلّبة سلفاً، لكنهما فضّلا الاستعانة بورقة وقلم لترتيب صفّ من الترشيحات اختارا كتابتها بخط اليد.
يقول أحدهما إنهما سيركبان لائحة مختلطة، أساسها لائحة "بيروت مدينتي" على أن يُضاف اليها بعض المرشحين من أصحاب الكفاءة. بنظرهما هما يعبران عن نبض الشباب البيروتي، لا سيما في الدائرة الأولى (الأشرفية والرميل والصيفي) حيث يميل المزاج العام الى التمرد على اللوائح الجاهزة وتحديداً "السلطوية" والعمل على تركيب لوائح "كوكتيل".
ومع ذلك، بدت هذه الدائرة وإن كانت تتمتع بكل مقومات المعارك الانتخابية، خجولة في أدائها لواجبها الانتخابي. نسبة الاقتراع في أقلامها لم تتعد الـ15%، حيث انفرد حزب الطاشناق في تنظيم حملته الانتخابية ورفع نسبة المشاركة في الأقلام الأرمنية ليؤمن بلوكه الانتخابي كما اعتاد على القيام به.
أما في الأقلام الأخرى، فبدا الناخبون في حال احباط. يقول أحد القيمين على ماكينة انتخابية حزبية إنّ هذا الانكفاء لأهالي بيروت يعبّر عن حالة "قرف" تجتاج هؤلاء، خصوصاً أنّ التحالف العريض الذي ضمّ الخصوم والحلفاء في لائحة واحدة لم يقنع البيروتيين ويضخهم بالحماسة اللازمة كي يقصدوا صناديق الاقتراع والإدلاء بأصواتهم. حاول القادة السياسيون الاستعانة بكل مفردات التحميس والاستقطاب والترغيب... ولكن من دون جدوى.
ويضيف هؤلاء أنّ هذا التفاهم لا يتمتع بالمصداقية الكافية التي يحتاجها لإقناع الناخبين. فعلى سبيل المثال يثني الثنائي المسيحي أي "التيار الوطني الحر" و"القوات" على التفاهم مع سعد الحريري في بيروت، بينما ينتقد الثنائي ذاته موقف تيار "المستقبل" في زحلة ويقود حرباً ضد ميريام سكاف لأنّ سعد الحريري اختار الوقوف الى جانبها.
يعتبرون أنّ هذه الازدواجية في الخطاب لم تلق استحساناً لدى الناخبين، ودفعت بهم الى البقاء في بيتوهم تعبيراً عن رفضهم للواقع المتناقض. ولهذا عجز التفاهم الطويل العريض حول لائحة "البيارتة" عن استنفار الناس وحملهم الى صناديق الاقتراع على رغم استدعاء "الرافعات" السياسية من كل حدب وصوب.
ولكن الى جانب هذه الملاحظة، ثمة ملاحظة أخرى سيسجلها النهار الانتخابي الطويل، اذ شكلت صناديق البلديات كما المخاتير في هذه الدائرة اختباراً أساسياً للتفاهم بين "التيار الوطني الحر" و"القوات" حيث يفترض أن تُظهر أصوات الناخبين في هذه الدائرة المسيحية بالذات خارطة التوازن على الساحة المسيحية.
بمعنى أن ساحة الأشرفية والرميل والصيفي ستكون أول امتحان حقيقي لتفاهم الحزبين ليقيسا على أرضها مدى تقبل الرأي المسيحي لهذا التفاهم أو رفضه له، وفقاً لخارطة الأصوات البلدية والاختيارية التي ستفرزها صناديق الاقتراع. وقد تكون نتائج الدائرة الأولى، كرة ثلج سيبدأ تدحرجها في بيروت لتنتقل في ما بعد الى بقية الأقضية المسيحية.