في زحمة الاحتشاد للاستحقاق الانتخابي البلدي في شمال لبنان، تلقى "تيار المستقبل" وحلفائه هزيمة مدوية في انتخابات نقابة الأطباء في طرابلس، أمام تيار "العزم" وحلفائه، بداية بعد فوز مرشحه الدكتور عمر عياش وأعضاء لائحته على حساب مرشح "المستقبل" الدكتور عمر فتفت ولائحته في المرحلة الأولى للدخول الى عضوية المجلس، وفوز عياش في المرحلة الثانية بمنصب النقيب.
والواقع أن هذه النتيجة لا تُقرأ استحقاقاً نقابياً صافياً، بل هي (ككل انتخابات النقابات الحيوية) مؤشر دقيق لتوجهات المجتمع من خلال أَمزجَة نُخَبِهِ التي يبدو أنها بدأت تعيد قراءة الأمور بشكل مغاير لما كانت عليه خلال السنوات العشر الأخيرة.
في وقائع انتخابات أطباء طرابلس، يسجل لمن أدار المعركة أنه أدارها بذكاء وصاغ تحالفاتها بوعي في مواجهة مرشح "تيار المستقبل" وحلفائه من "القوات اللبنانية" و"اليسار الديموقراطي" وبعض المستقلين بشكل مكّن لائحة "كرامة الطبيب" برئاسة عياش الذي تقدم على منافسه فتفت بـ184 صوتا فأسقطه في الدورة الأولى ما دفع "تيار المستقبل" إلى الاستعانة بعضو مجلس النقابة وليد غمراوي لخوض معركة النقيب، وكان السقوط الأكبر باكتساح عياش.
لكن ما هو أبعد يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
أولاً: هذه الانتخابات عكست مزاجاً مختلفاً في الشمال، رافض لأية فوقية ومحاولات الفرض، كما ترجمت التعاون والتكامل الحاصلين بين تياريّ العزم والكرامة والجماعة الاسلامية ومعهم قوى اليسار من شيوعي وقومي في طرابلس واللذين توافقوا على دعم عياش في وجه تحالف "المستقبل" و"القوات"، الذي أظهرت النتائج تراجعا كبيرا لنفوذه في نقابة الأطباء، خصوصا أنه لم يتمكن من إدخال أي من مرشحي لائحته الى عضوية المجلس.
ثانياً: أن الخروج عن الواقع والواقعية في إدارة الشأن العام تنقلب فشلاً على صاحبه، ففي بيروت تحالف "المستقبل" في الانتخابات البلدية مع كل من: "التيار الوطني الحر"، "مؤسسة مخزومي"، حركة "أمل"، حزب "الطاشناق"، "القوات اللبنانية".. وهو أمر مشروع في المبدأ، لكنه في هذه الحالة مثّل انقلاباً من "المستقبل" على كل توجهاته وخطابه، وتخلياً عن كل مبادئه، وتضحية بكل شعاراته السياسية، بل وتخبطاً في التعاطي مع شارعه.. كلّ ذلك لمصلحة فوز هشّ وأرقام صادمة!! لا تنفع معها كل مقولات الحرص على الشراكة الوطنية والعيش المشترك.
ثالثاً: أن الصلافة في التعاطي السياسي، وخصوصاً المسائل والقضايا التي تمسّ الناس والقطاعات المجتمعية، هي الطريق الأسرع للافلاس، وما جرى ويجري وسيجري دليل واضح على ابتعاد "المستقبل" عن محيطه وبيئته، ونموذج بلدية بيروت وعرسال خير دليل، وهي أمور ستنعكس حكماً على التحالفات في طرابلس وصيدا وعكار.
رابعاً: في القراءة السياسية أيضاً، الحقيقة أن المزاج السني ما عاد يرى في "المستقبل" ضرورة ورافعة وحصرية تمثيل للشرعية السنية، بمعناها الآحادي القطعي، بل بات يحتاج إلى شركاء، أو بمعنى أدق، يريد بدائل لغياب الرؤية السياسية الواضحة، وسياسة التنازلات، وصمّ الآذان، واللعب على أوجاع بيئات الحرمان، وعصبها المذهبي، وخروجاً من أسر الارتزاق بكل ذلك.
يحق للفائز في انتخابات أطباء طرابلس أن يحتفل بإنجازه الاستحقاق بطريقة ذكية، ويحق له الاحتفال بالفوز القيّم، ويحق له بعد كل ذلك إعطاء جرعة أمل للمدينة التي ما عاد مقبولاً أن لا تستبسل في استعادة موقعها كعاصمة ثانية للبنان، لها الشراكة الكاملة والتامة في النصاب الوطني وقضاياه الكبرى، من ألفها إلى يائها.