البحث في مسألة العقوبات المصرفية الأميركية على "حزب الله" يبدأ، أو هكذا يفترض، من السبب الحقيقي الذي يقف وراءها، إذ إن هذا القانون جاء ليمنع الجهات الممولة إيرانياً من الإستفادة من الطفرة الإقتصادية التي ستشهدها إيران بعد رفع العقوبات الغربية عنها، من هنا كان لا بدّ من "تجفيف مصادر تمويل حزب الله".
حقيقة أزمة "حزب الله" المالية
في الأشهر الماضي إنتشرت معلومات تتحدث عن أزمة مالية يُعاني منها "حزب الله" أدت إلى تأخر جزء من رواتب عناصره، فما حقيقة هذه المعلومات؟
لا يعاني "حزب الله" أزمة سيولة مالية، بل على العكس، غير أنه أصبح منذ إزدياد العقوبات الأميركية على أشخاص وجهات قيل إنها تموّله، يُعاني من مشكلة في التحويلات المالية - المتوفرة – عبر المنظومات المالية العالمية، نظراً لفرض العقوبات على من كان يعتمد عليهم الحزب في هذا الأمر، كذلك يُعاني من أزمة تحويل عملة السيولة من التومان الإيراني إلى الدولار الأميركي.
هذه المشكلات التي تعرقل الإستفادة من السيولة المالية المتوفرّة للحزب تؤثّر على مسألة الرواتب والمشاريع المدنية والمساعدات الدورية التي يُقدمها، لذلك فهو يسعى إلى خلق بدائل تمكّنه من تخطيها، أما تمويل كل ما له علاقة بالقضايا العسكرية والتسليحية، فإن الحزب لا يتأثر بالعقوبات، إذ يعتمد طرقاً خاصة ليست مرتبطة بالنظام المالي العالمي.
العقوبات "لبنانياً".. ضدّ البيئة الحاضنة
يمكن الجزم بأن هامش تأثير تبنّي المصارف اللبنانية للعقوبات على "حزب الله" محدود جداً قد يساهم في خلق حالة إعتراضية في المجتمع الشيعي وهو ما أوجد الحزب بدائل له، فمثلاً إغلاق حسابات رواتب عوائل الشهداء دفع الحزب إلى إعتماد الطرق التقليدية في تسليمها عبر مندوبين، وهذا يُظهر محدودية إرتفاع مستوى التأثير بتبني المصارف اللبنانية للعقوبات على الحزب كمؤسسة. لكن تبني المصارف الخائفة من عزلها في حال عدم السير بالشروط الأميركية، أدى وسيؤدي إلى ضغط على بيئة الحزب، خاصة وأن معظم هذه المصارف بالغ في الإجراءات، فمثلاً أغلق حساب يحتوي على 1000 دولار لإبنه النائب السابق في الحزب أمين شرّي، كذلك تقوم المصارف بإقفال عدد كبير من الحسابات التابعة لمناصري "حزب الله" أو لأشخاص تقول إنهم حزبيون، مع العلم أن الإجراءات الأميركية لا تطالهم، بل تطال فقط من يُضاف إسمه إلى لوائح الإرهاب الأميركية، شخصية عادية كانت أم معنوية.
لذلك فإن الحزب يرى في هذه الإجراءات ضغطاً حقيقياً على بيئته ويعتبر نفسه معنياً بالدفاع عنها بما يراه مناسباً في حال لم يتم التوصل إلى إتفاق يرضيه ويطمئن شارعه.
التسوية المحتملة
بواقعية يتعامل الحزب مع مخاوف المصارف اللبنانية التي يمكن أن تصبح محاصرة أو مفلسة في حال عارضت الشروط الأميركية ولم تطبقها، لكنه في الوقت نفسه لن يقبل بمزايدة المصارف في تطبيق الشروط الأميركية والسكوت على الإستنسابية التي أعطتها المصارف لنفسها في إغلاق أي حساب لأشخاص في الطائفة الشيعية، أو حتى إغلاق حسابات الموظفين في قناة "المنار" وهذا ما حصل فعلاً.
ولعل بيان حاكم مصرف رياض سلامة أمس، خفف من التوتر، إذ طلب من المصارف إعطاء مبررات حول كل حساب تريد إقفاله وإنتظار ردّ هيئة التحقيق الخاصة. هكذا يسعى إلى جعل البيان بمثابة خطوط عريضة للتسوية المتوقعة مع "حزب الله" إذ سيتم وضع معايير واضحة لإقفال حساب أي شخص.
الرد في حال الفشل
وبحسب المعلومات هناك مفاوضات جدية لتجنب كل الخيارات الصعبة على الحزب وبيئته وعلى المصارف، لكن فشل التسوية هو أمرٌ ممكن، فماذا سيكون ردّ الحزب؟
لم يطرح الحزب حتى الساعة أي من الإجراءات التي يمكن أن يتخذها مع المصرف المركزي، لكن من المستبعد بشكل كبير القيام بإغلاق فروع المصارف في مناطق نفوذ الحزب، كذلك من غير الممكن أن يعمد إلى سحب ودائع المؤيدين من هذا المصرف أو ذاك، إذ إن الحزب لا يستطيع أن يمون على كل أصحاب رؤوس الأموال، وقد يكون، عند حسابات المصالح، لا يمون على أغلبهم، هكذا يصبح أمام عدّة حلول للضغط، لعل الحلّ الأول هو الضغط السياسي على الحكومة لكي تتخلى عن موقفها المحايد، وكذلك الضغط عبر الإعلام واللجان النيابية.
لكن كُثراً بدأوا يتحدثون عن التصعيد الممكن الذي قد يصل إلى الضغط على أصحاب المصارف عبر مصالحهم، ولعل الحراك الشعبي - المُعدّل – قد يكون أول ما يأتي إلى الأذهان، خاصة أن جمعية المصارف كانت أكثر المتضررين منه، أو مثلاً المساهمة الشعبية في دعم المطالب القائلة بسلسلة الرتب والرواتب، وغيرها من الضغوط، لكن السؤال الأساسي هو هل سيؤدي التصعيد المتدحرج في الضغط على بيئة الحزب وصولاً إلى المساهمة في إسقاط النظام بأكمله بما فيه النظام المصرفي؟