خرج المؤتمر الوزاري الموسع لـ "المجموعة الدولية لدعم سوريا" في فيينا بتوافقات الحد الأدنى. مجرد مبادئ عامة اتفق عليها وزراء 20 دولة ومنظمة دولية واقليمية. تشمل هذه المبادئ تأمين وصول مساعدات إنسانية الى أنحاء البلاد (اقتراح بريطاني لإقامة جسر جوي واسقاط المساعدات جوا) وإعادة تثبيت الهدنة (التلويح بمعاقبة من يخرقها) وتسريع انتقال سياسي متفاوض عليه في سوريا.
تزامن هذا البحث في تحريك مسار الحل السياسي مع حصول معارك عنيفة في الغوطة الشرقية لدمشق (50 قتيلا) وفي ريف اللاذقية الشمالي (150 قتيلًا) ما يؤكد أن معطيات الأرض لا تبشر بأمل كبير للخروج بحل سياسي، وأن الضجة التي أثارتها المعركة الكبرى في حلب لم تكن كافية لإجبار الجميع على تقديم تنازلات كافية ومفصلية في جولات التفاوض الموسع، وأن صراع المحاور ما زال في أوجه وأن الغزل الأميركي الروسي المستمر غير كفيل بتثبيت الهدنة في سوريا.
استبقت واشنطن وموسكو اجتماع فيينا بلقاء وزيري خارجيتهما جون كيري ونظيره سيرغي لافروف للإتفاق على مسودة البيان الختامي قبل بدء المؤتمر الذي استمر 5 ساعات وتضمن جدلاً وتبادل اتهامات، في محاولة للتلويح بأن روسيا وأميركا تستأثران بعملية التفاوض دون غيرهما من الدول المشاركة. الا ان التطورات على الأرض تشير الى مسارات مختلفة وتطرح تساؤلات عن حقيقة مواقف الأطراف ومدى تأثيرهم.
يتفق كيري مع لافروف على تهميش الأوروبيين والخليجيين في إدارة المفاوضات والحل السياسي. يتفقان أيضاً على إبعاد شبح عقدة الأسد حالياً. تلحظ خطط بلدهما العسكرية قراراً بضرورة تعويم الجيش السوري وتشكيل إطار سياسي له وتوسيعه ليضم فصائل مسلحة مقبولة. فأميركا حريصة على إنهاء عهد أوباما بأقل حرائق ممكنة، وروسيا حريصة هي الأخرى على إنجاز تقدم في منطقة الشرق الأوسط يثبت لها مكاسبها قبل رحيل الأخير ويعترف بها لاعبا ندي الولايات المتحدة الاميركية في المجتمع الدولي. لعل في ذلك ما يبرر ولادة الإتفاق الروسي – الأميركي، إلا ان هذا الإتفاق يبقى تفاهماً غير واضح وغير كفيل بتبديد إختلاف القراءات والتفسيرات ولاسيما في ما يتعلق بمفهوم المرحلة الإنتقالية وهيكلها التنفيذي ومستقبل الرئيس بشار الأسد.
غياب الرؤية الدولية
لكن هذا الغياب في الرؤية الدولية الواحدة ليس وحده وراء تعثر التسوية في سوريا. فوقف القتال كان اهم بنود الإتفاق الروسي الأميركي، الا أن تقارير المرصد الدولي لحقوق الإنسان وأرقامها تؤكد أن هذا القرار يقع خارج سلطة هذا التحالف وأن ثمة قوى وأطرافا أخرى تؤثر في مسار الأزمة السورية.
تركيا معنية جدا بما يحدث. والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ما زال يساوم بالورقة السورية لتحقيق الأهداف الخاصة بمصالحه في الداخل التركي. فالإتفاق الروسي الأميركي بطي صفحة المنطقة العازلة والقرار المشترك بإغلاق الحدود التركية السورية بشكل كامل امام تدفق الإرهابيين لم تدفع الرئيس التركي للتخلي عن موقفه من الأزمة السورية. فأنقرة مدعومة من قبل حلف الأطلسي الذي يعرف أنه أمام الإنكفاء الأميركي في هذه المرحلة هناك حلف آخر يقوم بشكل جدي بين روسيا وإيران و"حزب الله" والجيش السوري، وأن هذا الحلف قد يربح المعادلة ويقلب التوازنات وهذا ما لا يرغب الاطلسي بحدوثه ابدا. أيضاً يخوض أردوغان حرباً مفتوحة مع حزب العمال بعد سقوط الهدنة التي استمرت سنتين، ويحاول منع تمدد وحدات حماية الشعب (الذراع العسكرية لحزب الإتحاد الديمقراطي القريب من حزب العمال الكردستاني)، كما يحاول أيضاً الحؤول دون قيام اقليم على غرار ما حصل في شمال العراق. لعل في هذه الاسباب مجتمعة ما يبرر الدعم التركي للفصائل التي تقاتل في حلب، إذ لا شك في أن إعادة حلب الى حضن النظام سيوجه ضربة قاضية الى حزب العدالة والتنمية الذي يواجه أيضا معركة مفتوحة مع أحزاب المعارضة على الدستور الجديد وهوية تركيا ودورها في الاقليم ويسعى لإعادة اللحمة الى صفوفه بعد استقالة أحمد داوود أوغلو من زعامة الحزب.
السعودية هي الأخرى قوة متنفذة في الإقليم. لا يمكن تجاوز مواقفها وحرصها على أمنها وأمن مجلس التعاون الخليجي. فالرياض تتمسك بمواقفها من الأزمة السورية ومن ريبتها من تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة ولاسيما بعد فشل مفاوضات الكويت (الحوثيون واليمن)، ومن قلقها من المزاج الأميركي للانسحاب من هموم المنطقة ما يدفعها للتمسك بالورقة السورية للتقرب من روسيا وبناء تحالف معها يضمن الا تصل العلاقات بين طهران وموسكو الى الحد الذي يؤثر سلبيا في المصالح الخليجية.
الحرب الطويلة
أما بالنسبة إلى إيران وحليفها "حزب" الله فقد وفر سقوط عدد من القتلى الايرانيين في جبهة حلب واغتيال القائد في "حزب الله" مصطفى بدر الدين واتهام "حزب الله" الجماعات التكفيرية فرصة جديدة ومبرراً لمواصلة القتال في سوريا في معارك حامية الوطيس ضد المشروع، الذي تتفق ايران مع "حزب الله" على "أنه مشروع أميركي - صهيوني بات الارهابيون التكفيريون يشكلون رأس حربته وجبهته الأمامية"، وأن الهدنة الطويلة بلا نتائج ستعزز استقدام قوات اضافية واسلحة للطرف الاخر.
أما إسرائيل فقد ألمحت الى انها لا تقف خلف اغتيال بدر الدين لتجنب الاندفاع نحو مواجهة واسعة في الشمال خصوصا مع "حزب الله" (ولاسيما في ظل تصاعد الخلاف بين المستويين العسكري والسياسي وتقرير مراقب الدولة عن الحرب الأخيرة على غزة). الا انه من الصعب التصديق بأن تبقى تل أبيب متفرجاً سلبياً بينما ترى الحلف الروسي الإيراني السوري يشتد عوده ويحقق الانتصارات.
أما اوروبا المشغولة منذ بدء الأزمة السورية بوضع الخطط للحد من تداعيات أزمات اللاجئين في بلدانها ليست راضية عن تغييب دولها (ولاسيما فرنسا) عن صوغ القرار العالمي ما يبرر الاجتماع الاخير الذي دعت اليه باريس لمجموعة من وزراء الخارجية في محاولة منها لطي صفحة الحياد السلبي والهيمنة الروسية الأميركية على مسار الحل السياسي للأزمة السورية.
الجميع بحاجة للحلول. لكن يبدو أن الحلول السياسية مستعصية حالياً من اليمن الى العراق وليبيا فسوريا. لذا فالردود القادمة سيغلب عليها الطابع العسكري وتواريخ كالاول من آب القادم الذي حدده كيري بعد اجتماع فيينا كهدف وليس كموعد نهائي للأطراف المتحاربة في سوريا للاتفاق على اطار عمل في شأن عملية الانتقال السياسي، هو مجرد غطاء وحاجة ماسة فيما تستمر المأساة وعمليات فرض الأمر الواقع. فنتائج الميدان السوري قد تغير المشهد الاستراتيجي كلياً وتفرض على جميع اللاعبين تبديل خططهم وأهدافهم والدخول في الخطة "ب" تزامنا مع التغيير الذي ستشهده الادارة الاميركية بعد حسم نتائج الانتخابات الرئاسية.
فإذا كانت الادارة الاميركية الحالية غير مستعدة لإتخاذ أي قرارات في سوريا (حيث أن لأوباما تعريفاً ضيقاً جدا لجهة طريقة استخدام القوة) فإن المرشحة الأقوى بين الديموقراطيين والأوفر حظاً في الوصول الى البيت الأبيض هيلاري كلينتون تدرك أن القوة واستخدامها أمر مهم جداً في الشرق الأوسط.
فماذا عساها تكون الخطة "ب"؟ وهل يمكن أن يفسر ما تقدم عبارات الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله عندما قال: "ان "المواجهة حقيقية وان الشهور القادمة صعبة". هذا أغلب الظن والقادم من الأيام كفيل بالاجابة عن كل التساؤلات...