جاء خبر اغتيال مصطفى بدر الدين في سوريا، وهو من بين الأسماء البارزة الواردة في القرار الإتهامي الصادر عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بما له من دلالات امنية وسياسية، ليسدل الستار عن فصل من فصول ما توصلت إليه هذه المحكمة من قرائن وأدلة، وليستحوذ على ما عداه من تطورات سياسية، سواء على الساحة اللبنانية كما على الساحة السورية، مع ما يعنيه ذلك من تشعبات قد يكون لها انعكاسات لا تقّل أهمية عما أحدثه اغتيال القيادي عماد مغنية.
وعلى رغم جسامة هذا الحدث فإن ما قاله الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الأسبوع الماضي وما سيقوله غداً الجمعة، وإن يكن ما سيقوله مغايراً بالهدف والأستراتيجيا عما قاله منذ اسبوع تقريباً، وبالتحديد ما قاله بالنسبة إلى علاقات الحزب مع "التيار الوطني الحر" وحلفائه الجدد، وبالأخص "القوات اللبنانية"، يُعتبر في البعد السياسي محطة من محطات الإستحقاق الرئاسي، ويحدّد مرّة جديدة دور "حزب الله"، الذي يرى فيه البعض مفتاحاً أساسياً من بين المفاتيح الرئيسية لإي حلحلة ممكنة على صعيد الإستحقاق الرئاسي، وهو الذي لم يعطِ جواباً واضحاً بالنسبة إلى خياراته الرئاسية، وفضّل سياسة إمساك العصا الرئاسية من وسطها، بين حليفين، بما يعنيه بالنسبة إلى العماد ميشال عون من إلتزام مطلق في دعم ترشحه، وما لم يقطعه من خيوط تواصل مع النائب سليمان فرنجية.
وقد يكون ما أعلنه السيد حول عدم التزامه بلحلفاء "التيار" الجدد فصلاً جديداً من فصول إدخال الإستحقاق الرئاسي في دهاليز الأحجية الغامضة، التي تتطلب معرفة دقيقة لما يجري في سوريا وعلاقة إيران بمسار التطورات الحاصلة على ساحتها، مع ما شابها من تداخل أكثر من عنصر على خطها، بعدما تكشفت الأوراق الروسية، وبعد التنسيق الضمني بين موسكو وواشنطن من أجل ضمان الوصول إلى تسوية سياسية في سوريا، على رغم أن بعض المطلعين على بعض تفاصيل المحادثات الأميركية – الروسية لا يتوقعون نتائج عملية قريبة للأزمة المستفحلة في الداخل السوري.
وبهذا الموقف المعطوف على مواقف إيرانية واضحة المعالم يبدو "السيد" غير مستعجل لإنتخاب رئيس للبنان قبل أن تنجلي غبار المعركة السورية، وقبل أن تفرز الخيوط البيض عن تلك السود، وقبل إعادة خلط الأوراق، وهو لذلك تعمّد أن يصّوب سهامه في اتجاه اتفاق معراب، الذي قام على أساس دعم "القوات" ترشيح العماد عون للرئاسة الأولى، وإن تكن مندرجات هذا الإتفاق قد تشعبت، فترجمت حيث يجب أن تترجم تحالفات بلدية في أكثر من بلدة، وخاضت "القوات" نصف معركة ضد "التيار"، حيث لم يتم التوافق المحلي بين الطرفين المسيحيين الأكثر حضوراً على الساحة المسيحية، وإن كان بعض الفاعليات المسيحية ترى عكس ذلك.
وخلافاً لما توقعه الدكتور جعجع منذ اللحظة الأولى لدعمه ترشيح "الجنرال" بأن يلاقي "حزب الله" القوات اللبنانية" في نصف الطريق الرئاسية، بدد "السيد" هذه التوقعات، وهو اراد أن يوجه أكثر من رسالة في آن معاً.
الرسالة الأولى تقول إن اتفاق معراب وحده لا يصنع رئيساً، وهذا ما بات من بين المسلمات التي دخلت في صلب قناعات "القوات اللبنانية".
أما الرسالة الثانية فهي أن "حزب الله" هو في حلّ من أي تحالف انتخابي على المستوى النيابي بين "التيار "و"القوات"، وبالأخص في المناطق التي يمكن أن يكون فيها للصوت الشيعي بيضة قبان التوازنات، إلاً أذا "حلب" كل من "التيار" و"القوات" صافياً في قضائي جبيل وبعبدا على وجه التحديد.
إنما الرسالة الأقوى، والتي وصلت سريعاً إلى جميع المعنيين، هي أن حزب الله" لا يزال الرقم الصعب في الإستحقاق الرئاسي، وهو قادر في أي لحظة على قطع طريق الرابية – معراب، وبالتالي الطريق التي توصل قضائي كسروان (مقر إقامة الدكتور جعجع) والمتن (مقر إقامة العماد عون) بقضاء بعبدا (مقر القصر الرئاسي). ومن له اذنان سامعتان فليسمع!