إلى أيّ مدى يا ترى يمكن الجزم بأنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة عازمةٌ في هذه الأيّام على إيجاد نسخة سعوديّة مستحدثة عن السيناريو الذي كانت قد استخدمته مع ليبيا في ثمانينيّات القرن الماضي أثناء سعيها من أجل توفير المسوّغات القانونيّة التي ألزمت طرابلس الغرب لاحقًا بدفع تعويضات لعائلات ضحايا حادثة إسقاط طائرة الـ "بان أميركان" فوق مدينة لوكربي في اسكتلاندا؟
سؤالٌ قد لا يحتاج المراقبون إلى التمتّع بالكثير من سمات النباهة لإدراك أهميّة طرحه على إيقاع تحسّسهم شدّة الهزّة التي ضربت أسس العلاقات الأميركيّة – السعوديّة في ضوء موافقة مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء الماضي، وبغالبيّة ساحقة، على مشروع القانون الذي يسمح لعائلات ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 بمقاضاة المملكة في المحاكم الفيديراليّة الأميركيّة، تمامًا مثلما لا يحتاجون إلى التمتّع بالسمات نفسها أيضًا للتكهّن بأنّ الرئيس باراك أوباما لن يتردّد على المدى المنظور في ممارسة كافّة أشكال وألوان عمليّات الابتزاز السياسيّ مع الرياض قبل الإعلان عن مصادقته أو عدمها على مشروع القانون، سعيًا إلى تحقيق ما يمكن تحقيقه من مكاسبَ لإدارته التي شارفت صلاحيّتها على الانتهاء، وذلك ليس لأنّ موافقة مجلس الشيوخ جاءت بعد يوم واحد فقط من كشف النقاب رسميًّا عن أنّ الولايات المتّحدة مدينة للسعوديّة بأكثر من مئة وستّة عشر مليار دولار، بما يشكّل بحدّ ذاته مؤشّرًا واضحًا على التوجّه الابتزازيّ المرتقب من دون أدنى شكّ، وإنّما لأنّ لدى واشنطن سجلاً طويلاً وحافلاً في التعاطي مع دول الخليج بنزعاتٍ ملتويةٍ وملتبسةٍ غالبًا ما كانت تثير الريبة وعلامات الاستفهام، على غرار ما حدث مثلًا في أواخر صيف عام 2008، وتحديدًا عندما وقف الرئيس الأميركيّ وقتذاك جورج دبليو بوش في حديقة البيت الأبيض ليعلن أنّ "اقتصاد الولايات المتّحدة يواجه خطرًا يُنذر بانهياره في غضون أيّام معدودة"، محوِّلًا بذلك "أزمة الرهن العقاريّ العالي المخاطر" في بلاده الناجمة أصلًا عن إفلاس بنك "ليمان براذرز" إلى "أزمة ماليّة عالميّة"، الأمر الذي كان من بين تجلّياته دفعُ محافظ مؤسّسة النقد السعوديّ حمد السياري على الإسراع في الإعلان عن أنّ "المملكة ستضخّ ما يلزم من أموال للحيلولة دون انهيار الاقتصاد الأميركيّ"، وكان من بين تداعياته أيضًا أن تكبّدت إمارة دبي، بين ليلة وضحاها، خسائر ماليّة فاقت قيمتها الستّين مليار دولار، إثر إدراج البنك الأميركيّ المفلس، أي "ليمان براذرز"، في سوق دبي العالميّة تحت اسم "نومورا"، وهو ما دفع القائد العامّ لشرطة دبي في حينه الفريق ضاحي خلفان إلى القول حرفيًّا: "إنّ الأزمة الماليّة العالميّة هي أكبر عمليّة سرقة في التاريخ"!
هامش المناورة!
لا شكّ في أنّ هوامش المناورة المتاحة حاليًّا أمام القيادة السعوديّة في مواجهة النزعة الابتزازيّة الأميركيّة المرتقبة يمكن أن تتّسع أو تضيق بحسب ما سيتوفّر لدى الديوان الملكيّ في الرياض من نصائحِ وتوصياتِ خبرائه ومستشاريه السياسيّين والاستراتيجيّين في الملفّات الساخنة التي يُفترض أن تكون محورًا للابتزاز، من المحيط إلى الخليج، وعلى رأسها مستقبل العلاقات الروسيّة – السعوديّة، بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى على إيقاع تفعيل الحضور الديبلوماسيّ الروسيّ في أزمات المنطقة والجهود المبذولة من أجل فضّها وتسويتها منذ زمن إيغور إيفانوف ولغاية زمن سيرغي لافروف.
وفي هذا السياق، ثمّة ما يغري الذاكرة بالعودة إلى ما شهده قصر الكرملين في موسكو يوم الثالث من أيلول عام 2003، عندما جلس العاهل السعوديّ الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز (وكان حينذاك وليًّا للعهد) وجهًا لوجه أمام الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، ليُعلن بالحرف الواحد أمام الصحافيّين الذين قدِّر لهم تغطية وقائع الدقائق الأولى من ذلك اللقاء التاريخيّ، وكنتُ من بينهم، أنّ "الرئيس بوتين وفيٌّ لشعبه ولأمّته الروسيّة"، قبل أن يستطرد قائلًا: "... والمملكة العربيّة السعوديّة سوف تدعمه".
يومها، سارعتْ الصحافة الروسيّة المحسوبة على الأوليغارشيّين المحسوبين بدورهم على "المؤتمر اليهوديّ الروسيّ" إلى إدراج تصريحات الأمير عبد الله في خانة السعي من أجل "شراء دعم روسيا لإيران" في المحافل الدوليّة عن طريق "ضخّ استثمارات سعوديّة في الاقتصاد الروسيّ بقيمة مئتي مليار دولار"، بينما سارعتُ بدوري إلى الإعلان عبر شاشة "قناة العربيّة" التي أوفدتني وقتذاك إلى موسكو لتغطية وقائع ذلك الحدث عن أنّ أهمّ المواضيع التي تمّ بحثها خلال لقاء بوتين – عبد الله، تمثّلت في مناقشة آليات تنفيذ خطّة السعوديّة بشأن اعتزامها نقل ثمانين في المئة من أرصدتها الماليّة من الولايات المتّحدة إلى كلٍّ من روسيا والصين، سعيًا إلى التخلّص من قبضة الأخطبوط الأميركيّ الذي كان قد استنزفها، بما لا يطاق، على خلفيّة ما تضمّنته الرواية الرسميّة الأميركيّة بخصوص اتّهام السعوديّين الضالعين في هجمات الحادي عشر من أيلول.
وإذا كان من المستبعد أن يشهد التاريخ يومًا، عاجلًا أم آجلًا، على عدم نزاهة هذه الرواية الرسميّة الأميركيّة، تمامًا مثلما ظلّ الشاهدون على التاريخ مختبئين خلف أصابعهم لدى "تسويق" الرواية الرسميّة الخاصّة بضلوع ليبيا في حادثة إسقاط طائرة الـ "بان أميركان" فوق لوكربي في اسكوتلاندا، من دون الأخذ في الاعتبار أيّ حيثيّة من الحيثيّات الواردة في كتاب عميل الاستخبارات العسكريّة الأميركيّة ليستر كولمان الصادر تحت عنوان "في قبضة الأخطبوط"، والذي يُثبتُ مؤلّفه بصفته "شاهد من أهله" أنّ الحادثة وقعت بسبب خطأ استخباراتيّ أميركيّ، وبالتالي براءة ليبيا من التسبّب في وقوعها، فإنّ الخوف يتركّز في الوقت الحاليّ على احتمال تكرار السيناريو نفسه في قضيّة تعويضات ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر، اللهم إلّا إذا صدقت صحيفة الـ "برافدا" في ما نشرته في عددها الصادر بتاريخ السابع من شباط العام الماضي عن أنّ السلطات الروسيّة تملك ما يكفي من الأدلّة الموثّقة بصور الأقمار الصناعيّة التي تُثبت تورّط السلطات الأميركيّة، بما فيها وكالة المخابرات المركزيّة، في تلك الهجمات.. وللحديث عن لوكربي وعما نشرته الـ "برافدا" تتمّة.