تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

مقالات لبنان24

الغنوشي.. من الإسلام السياسي إلى الديموقراطية الاسلامية

احمد الزعبي

|
Lebanon 24
20-05-2016 | 01:37
A-
A+
الغنوشي.. من الإسلام السياسي إلى الديموقراطية الاسلامية<br/>
الغنوشي.. من الإسلام السياسي إلى الديموقراطية الاسلامية<br/> photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
في حديثين متزامنين نُشرا مؤخراً، وردت على لسان زعيم حركة "النهضة" التونسية راشد الغنوشي مواقف لافتة، لأنها، لمن يتابع خطاب حركات الإسلام السياسي خلال العقود الثلاثة الأخيرة وخطاب الغنوشي نفسه في العقدين الأخيرين، تشكل قفزة جديدة في مسار المفكر التونسي وأدبيات حركات الإحياء الاسلامي بشكل عام. في حديثه إلى صحيفة "لوموند" الفرنسية، قال الغنوشي إنه "لم يعد هناك مبرر للإسلام السياسي في تونس"، معتبراً أن "ثورة 2011 وضعت حداً لكل من الديكتاتورية والعلمانية المتطرفة، وتونس اليوم تعيش في ديموقراطية"، ولفت إلى أنه إضافة إلى ذلك فإنه "تم تشويه مفهوم الإسلام السياسي من خلال التطرف الذي تقوده القاعدة وداعش من هنا كانت الحاجة لإظهار الفرق بين الديمقراطية الإسلامية التي نتبناها والإسلام الجهادي المتطرف الذي نريد الابتعاد عنه أكثر". ورداً على سؤال عما إذا كانت النهضة بذلك تعلن خروجها من الإسلام السياسي، قال الغنوشي "نخرج من الإسلام السياسي لندخل في الديمقراطية الإسلامية. نحن مسلمون ديمقراطيون لا يدعون بعد الآن الاسلام السياسي". وفي حديثه إلى جريدة "أخبار اليوم" المصرية دان الغنوشي مسيرة "الإخوان المسلمين" في مصر والعراق وليبيا، ورأى أنها أدت إلى دمارٍ في هذه البلدان العربية. وإذ شدّد على "البُعْد الوطني" في حركة النهضة، قال إنه ليس مستعداً للتضحية بتونس البلد والثورة لأي اعتبارٍ آخر. كلام الغنوشي أتى عشية المؤتمر العام لحركة "النهضة" الذي ينطلق اليوم، فيما يتوقع أن يخلص إلى الإعلان عن الفصل التام بين ما هو "دعوي" وما هو "سياسي" في التنظيم، بحيث تصبح الحركة حزباً سياسياً بحتاً تقيداً بالدستور، أما المسائل الدعوية والدينية فأمر آخر تتولاه جهةٌ مستقلة لا علاقة لها بالعمل السياسي. أهمية المواقف التي أطلقها الغنوشي، مع ما يمثله من قيمة معنوية كبرى في فضاء الحركة الاسلامية العربية، تكمن في عدة أمور: أولاً: أنها أوضح نقد لتجربة الحركة الاسلامية مع السلطة منذ انطلاق ما عرف بـ "الربيع العربي" ووصول أحزاب دينية إلى السلطة في مصر (2012 – 2013) وتونس (2012). الواضح أن السنوات التي تلت ثورات 2011 وتطوراتها وتداعياتها ومآلاتها، وخصوصاً في مصر وتونس وليبيا، تركت آثارها في تفكير الغنوشي ومنهجه وتوجهاته السياسية والفكرية. والحق أن "النهضة" ميزت نفسها عن حركات الاسلام السياسي، فهي تخلت – طوعاً - عن السلطة في 2014 بعد حوار وطني قاد إلى تشكيل حكومة كفاءات (تكنوقراط)، ثم اختارت الحياد في الانتخابات الرئاسية لتشارك لاحقاً بحكومة ائتلافية إلى جانب "نداء تونس" في 2015، وأكثر من ذلك، فبالرغم من الانشقاقات التي طاولت حزب "نداء تونس" لم تستغلها "النهضة" لمصلحتها للعودة إلى السلطة، وبقيت على الحياد. وقبل كل ذلك، سبق للحركة أن أكدت في بيانها التأسيسي أنها "لا تقدم نفسها ناطقا رسميا باسم الإسلام، وتلتزم المنهج الديمقراطي في التداول على السلطة، وبمبادئ حقوق الإنسان، وبنبذ العنف، وأنها تقبل بمجلة الأحوال الشخصية التي منحت المرأة التونسية حقوقا واسعة، باعتبار أن ما ورد في تلك المجلة اجتهاد من ضمن اجتهادات إسلامية". ثانياً: أصل النقاش في هذه المسائل يعود إلى "الدور" أو "المهمة" التي كلّف الاسلام السياسي نفسه بها منذ ظهرت مقولات: الإسلام دين ودولة، والاستيلاء على السلطة طريق لتطبيق الشريعة واستعادة الشرعية في الدولة والمجتمع، لأنها أدخلت تغييراً كبيراً في علاقة الدين بالدولة، ودور كل منهما في إدارة المجتمع والدولة، ذلك أن السلطة السياسية لا تعدو كونها "تدبيرية" (تُعنى بإدارة الشأن العام ومصالح المجتمع) ولا علاقة لها بشؤون الاعتقاد. وسبق أن صدرت اجتهادات تعتبر أن المرجعية العليا هي للدين أو الشريعة، أما النظام السياسي أو إدارة الشأن العام فهي أمورٌ مدنيٌّة وتعددية وديمقراطية، والدولةُ على هذا تبقى دولةً مدنية. وهي أمور لم تجد لها سبيلاً في التجربة المصرية ولم تحتج لها أصلاً التجرية التونسية التي ترى أنه لا ضرورة لوجود حزب في السلطة، أو الاستيلاء عليها غصباً، بهدف إكمال دين البشر! ثالثاً: أفكار الغنوسي التي استحالت مبادى ومدونة أهداف لـ "النهضة" ليست بجديدة عليه، فهو من أوائل الإسلاميين الذي أعطوا مسائل الحريات العامة حيزا كبيراً في اجتهادهم، في كتبه أو ما كنا نسمعه منه شخصياً ونناقشه فيه منذ منتصف التسعينيات. مع أطروحته التي نشرت في 1993 "الحريات العامة في الدولة الإسلامية"، وقبلها كتاب "حقوق المواطنة" (1989) وبعدهما "مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني" (1999) و"الحركة الاسلامية ومسألة التغيير" (2000).. هنا أَصّلَ الغنوشي لقضايا الحريات بوصفها من أكثر المسائل إشكاليةً في الفكر الاسلامي المعاصر التي جرت مقاربتها بصيغ "جامدة" تَشي – بسذاجة – بأن ثمة تعارضاً بين الاسلام والحريات أو حول مدى قدرة الاسلام على ضمان الحريات العامة والحريات الفردية وحقوق الأقليات كقيم إنسانية كبرى لا تخضع لمزاجية وأهواء الأفراد أو مصالح أنظمة التسلط، وركّبت أطروحته منظومة اجتهادية معتبرة لحريات: المعتقد، الرأي، والحركات النسوية، وقيم العدل والسلام والحوار والتعاون بين الشعوب. رابعاً: بدا واضحاً الافتراق بين سلوك اسلاميي مصر بعد الوصول إلى السلطة عن سلوك اسلاميي تونس، فإذ مال الأول إلى الحكم الفرد والاستئثار بالسلطات بذريعة "الأكثرية" التي حصلوا عليها، حافظ التونسيون على تحالفاتهم مع الأحزاب الصغيرة، وما ترشحوا للرئاسة (ويمكن إجراء مقارنات نظرية مهمة في موضوع الاستئثار والاستبداد المقنع مع تجربتي إيران وتركيا في أوحدية الحكم والسلطة المطلقة، أو العراق وليبيا في تحالف المليشيات التي تزعم أنها اسلامية ضد التحول والاندماج في الصيغة الوطنية الواحدة، أو حتى الايغال في التمييز بين تجربتي المشارقة والمغاربة في العمل السياسي الاسلامي). خامساً: في كلام الغنوشي وعي دقيق بأن لا مستقبل للصيغة التي سوّق الاسلام السياسي لنفسه عبرها ومن خلالها خلال العقود الفائتة، فالعالم تغير وكذلك الأولويات والتحديات، وما عاد الزمنُ زمنَ التذرع بالدين من أجل الوصول إلى السلطة، أو الصراع القاتل مع المجتمع عليها، كما تفعل "داعش" وأخواتها، لأن كل ذلك تهديد للاسلام بحدّ ذاته، وتحويرٌ لمفاهيم الدين، وضربٌ لشرعية المجتمع واستقراره ومكوناته، السؤال الرئيس: كيف نعيد سكينة إلى النفوس، والتماسك إلى المجتمع، وننخرط مع العالم بنديّة ووعي وانفتاح وبلا خوف في صناعة المستقبل؟
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك