تميل النفس البشرية الى "شيطنة" خصمها حين تعجز عن الانتصار عليه. هذا أمر مفهوم. ولكن في زمن تسطيح المفاهيم والإثارة الخبرية الفارغة المعاني، تصبح هذه المسألة وسيلة إعلامية لـ"استحمار الشعوب"، على حد تعبير المفكر وعالم الاجتماع الدكتور علي شريعتي.
كأي شخصية غامضة مثيرة للجدل، حاز القائد العسكري لحزب الله في سوريا مصطفى بدر الدين على نصيبه من الشائعات والروايات والتحليلات. غير أن ما يميّز هذه الشخصية عن غيرها من النماذج التاريخية حجم خصومها ومدى قدرتهم على الابتكار في تشويه السمعة.
ليس الحديث هنا عن السمات الشخصية لبدر الدين، ولا عن حياته الخاصة ولا عما فعل في مسيرته الطويلة في مواجهة اسرائيل أو في حقبة الثمانينات. ما يهم هو "شيطان التفاصيل" الذي يتخذ مكانا له في كل قصة في هذه العناوين.
يمكن لأي مراقب أن يلحظ نوايا الشيطنة هذه في طيات ما كُتب ونُشر. اللافت أن بعضا مما كُتب أيضا لم يصدر عن جهات او منابر معادية بالضرورة للرجل، بل اختلطت الأمور عليها فأعادت نقل روايات اسرائيلية الى حد التبني، من دون ان تكلف نفسها عناء البحث والتحقيق في مصدر المعلومة.
من الايحاء بأن الاستهداف كان نتيجة عملية أمنية شديدة التعقيد الى الجزم بأن قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني كان حاضرا في المكان فالحديث عن صاروخ ذكي من طائرة من دون طيار، من دون تقديم دليل واحد على صحة أي من الفرضيات، الى درجة ان بعض الروايات التي نُشرت كانت تحمل في طياتها ما ينفيها، بسبب التعارض في مفاصلها كالقول بأن غارة جوية استهدفت المكان فلم يصب سوى بدر الدين لكن المستهدف كان سليماني!
واذا ما اسقطنا جدلا تفصيل حضور سليماني من عدمه أثناء الحادثة، علما أنه – بالتأكيد - كان أول الحاضرين بعد وقوعها لمعاينة ما جرى، يطرح سؤال محوري نفسه: هل ادى اغتيال القادة او الكوادر في مسيرة الحرس الثوري او حزب الله (في ايران ولبنان) على مر عقود من الزمن الى ايقافها؟ ألا يندفع هؤلاء بأنفسهم الى مسيرة يطلبون في ختامها "الشهادة"؟ أليس هذا ما كان يردده راغب حرب وعباس الموسوي وعماد مغنية ومصطفى بدر الدين، وقاسم سليماني في كل محافله؟
في الفترة التي تلت اغتيال عماد مغنية، باعتبار بدر الدين من نفس الطينة، زخرت الصحف ووسائل الإعلام بالتحليلات والشائعات المشابهة لما يحصل اليوم. لكن اختلافا في الظرف والتوقيت يجعل حادثة بدر الدين اشد حساسية، وأكثر اغراءً للإعلام، الى درجة أن تقريرا صحفيا تحدث عن أن "الياس صعب" (أحد الاسماء المستعارة لبدر الدين) كان يوزع قصاصات أثناء وجوده في سجون الكويت حول كيفية صناعة القنابل من بقايا عظام الدجاج والملح والصراصير!
في زمن يفتقد فيه القارئ فسحة من الوقت لمعالجة ما يقرأ قبل اخضاعه لآلية المنطق وعرضه على حد ادنى من التحليل، يصبح تفصيلا من نوع قنابل الملح والصراصير خبرا عاديا لا يستدعي السخرية.