في العصر البيزنطي، كانت محافظة الرقة في شمال وسط سوريا مركزاً اقتصادياً وعسكرياً أثّر في مجريات ذلك الزمن، اليوم تحولت المدينة في العصر الداعشي إلى عاصمة "دولة الخلافة"، منذ أن استولى عليها الداعشيون في كانون الأول 2014. ينتشر عناصر التنظيم في كل شارع وفي زوايا الازقة والاحياء، يتجولون بسيارات الحسبة (جهاز لمراقبة الحياة اليومية داخل المدينة) في كل الاوقات، يحمل الملثمون رايات سوداء مكتوب عليها شعار "الدولة الاسلامية"، يأمرون وينهون، يعاقبون ويستولون، يقطعون الأيدي والرؤوس، ويلقون من على أسطح الأبنية!
هكذا، على مرآى ومسمع العالم "الرقة تُذبح بصمت"، وقد تحولت المدينة إلى نظام بدائي، يحكمها ارهابيون مدربون على القتل والتجنيد والترهيب. جهة واحدة استطاعت خرق المستور وكشف ما يجري في المدينة وإيصاله للعالم، مجموعة من النشطاء نالوا جائزة حرية الصحافة العالمية من منظمة "حماية الصحافيين" (CPJ)، ويبقى السؤال الأهم، كيف استطاعوا التخفي من وحوش "داعش" ونشر أخبار المدينة وما حولها؟ والى أي جهة ينتمون وسط الانقسام السوري الكبير؟
من هم "الرقة تذبح بصمت"؟
"باختصار، نحن مجموعة من الشباب جميعنا من الرقة، لسنا صحافيين بل طلاب جامعيون، في مرحلة التأسيس كنا 6 أشخاص فقط، وكان هدف حراكنا وقتها رصد انتهاكات النظام السوري، إلا أن سيطرت داعش على المدينة، فأصبح هدفنا الاول توثيق جرائمهم المخالفة لأبسط قواد حقوق الإنسان والقانون الانساني الدولي"، ويضيف أحد أعضاء مجموعة "الرقة تذبح بصمت" لـ "لبنان 24" طالباً عدم الكشف عن اسمه: "كان لا بد من إيجاد فكرة أو طريقة لنشر الأخبار، فكان الإقتراح يقضي بإنشاء مدونة وقد نجح الأمر، حالياً عدد المجموعة يقارب الثلاثين شخصاً، 17 منهم داخل المدينة وهم مصدر أخبارنا، الآخرون خارج سوريا في المانيا وتركيا بعدما تلقوا تهديدات مباشرة من التنظيم الذي استطاع فعلاً الوصول إلى ناشطين وتصفيتهما بشكل شنيع داخل تركيا".
من تساندون من قوى وفصائل المعارضة في الأزمة السورية؟ يجيب المصدر: "نحن لا ننتمي الى أحد، لا النظام ولا داعش ولا النصرة ولا الأحزاب الأكرادية، نحن مع الشعب السوري ومع تخليصه من مأساته". أما كيف استطاع أفراد هذه المجموعة من التخفي من آلة "داعش" القاتلة، فيجيب: "استراتيجيتنا تعتمد على السرية واتخاذ أقصى درجات الحذر، فنحن ندرك تماماً المخاطر التي تواجهنا، حتى إن بعض النشطاء داخل المجموعة لا يعرفون بعضهم البعض، اكتسبنا خبرتنا على مدى 5 سنوات منذ بدء الازمة السورية كما أننا قمنا بتدريبات تؤهلنا على الصمود والتخفي والمتابعة ونشر الأخبار، ونأخذ احتياطاتنا على أكمل وجه".
ويتابع في حديث خاص مع "لبنان 24": "عناصر داعش يحاولون يومياً اختراقنا، وفعلاً تعرضنا سابقاً لكثير من المحاولات التي نجحت في إيقاف مدوتنا لمدة لم تتجاوز الثلاثة أيام فقط، أما الصدمة الكبرى فوقعت في 30 تشرين الأول 2015 ، حين تعرض إثنان من زملائنا وأحد أهم ناشطي المجموعة إلى الذبح وهما، علي إبراهيم عبد القادر وفارس حمادي، وذلك بعد أن اقتحم عناصر من "داعش" منزلهما في مدينة أورفه جنوبي تركيا، وقطعوا رؤوسهما"، لافتاً إلى أن "عدداً كبيراً من النشطاء والمناصرين لحملتنا تعرضوا للإعتقال والقتل داخل الرقة، فداعش يعتبرنا كفاراً".
معركة آتية لإنهاء "داعش"؟

كيف هي الحياة في قلب "دولة الخلافة"؟ يجيب: "لا حياة في الرقة، لا كهرباء، لا مياه، لا خدمات، الضرائب مفروضة وإلا العقاب"، ويضيف: "من لا يتعامل مع داعش لا يحصل على عمل، السفر ممنوع، قطع الرؤوس والايدي وجرائم مشينة تحصل يوميا بتهم أو حجج منها الانتماء الى القوات النظامية او المثلية الجنسية او الزنى وغيرها.. أغلقوا الجامعات والمدارس، قتلوا كل أشكال الحياة، الأهالي يائسون وخائفون في نفس الوقت، كل شيء محظور.. باختصار حياة لا تشبه الحياة.. لكن كثيرين جداً ينتظرون كشف هذه الغمة عنهم وعن مدينتهم".
هذا هو واقع المدينة، فمتى يتغير؟ بالأمس، ألقت طائرات تابعة للتحالف الدولي مناشير فوق محافظة الرقة تقول فيها انه حان الوقت لمغادرة داعش المدينة، طالبة من المدنيين المغادرة أيضاً، فهل ستشهد المدينة معركة حاسمة في الأيام المقبلة بمساعدة التحالف الدولي لإنهاء وجود "داعش" فيها بشكل نهائي؟