قبل مقتله خلال عملية دهم لـ"شعبة المعلومات" في نيسان من العام الماضي، نجح أسامة منصور في تجنيد عشرات الشبّان لتنفيذ عمليات إنتحارية ورمي قنابل على الجيش وثكناته العسكرية. لم يأتِ إصطياد "الرجل الخفي" للقصّار منهم عن عبث، بل كان مدروساً جدّاً، فهؤلاء يسهل التلاعب بفكرهم وعقيدتهم وإغرائهم بالمال.
كان "منصور" يعرف جيّداً ضيق حال أبناء عاصمة الشمال، فانتقى مِن مراهقيها مَن علم بكثرة ديونهم، ووعدهم عن طريق "رجاله"، بأنّه سيتكفّل بتغطيتها حتى آخر قرش وفوقه مبلغ كبير سيتركه "الإنتحاري القاصر" كأمانة لدى أحد الأشخاص ليسلّمه بدوره إلى ذويه بعد تنفيذ العملية المطلوبة.
عيّنة ممن إنجرّوا وراء "أمير داعش في طرابلس" أو أنصاره، كانوا اليوم يحاكمون أمام المحكمة العسكرية برئاسة العميد خليل إبراهيم بجرائم إرهابية، بعض الموقوفين في قفص الإتهام لم يتجاوز عمره السادسة عشر، ومنهم من ارتدع مُجبراً عن تغميس يديه بالدم بسبب ثنيه عن فعله من قبل والده الذي أشبعه ضرباً ومنعه من اللحاق بالمجموعة .
ها هو والد أحد المتهمين القصّار يتشارك البكاء مع زوجته التي تجلس إلى جانبه في المقعد الأمامي للقاعة، حرقة قلب الوالدين كانت ظاهرة، ففلذة كبدهما ينفض عنه تهمة الإرهاب ويُدافع عن "كرامة والديه اللذين أحسنا تربيته"، لقد تحدّث "عبدالرحمن.ط" عن حلاوة الحياة بوجود الأهل والسّعادة التي لا تتم إلّا بتأمين العيش الكريم للوالدين مُبدياً خوفه من الموت رغم "أنّه حقّ".
لقد نفى ابن الـ16 عاماً تهمة تكفيره الجيش أو إلتحاقه بمجموعة أسامة منصور. وبسؤاله عن علاقته بعبد الرحمن الكيلاني، المتهم الرئيسي في القضية ووعده له بتسديد ديونه قبل القيام بعملية إنتحارية، أنكر الأمر وأكّد أنّه تمّ تعذيبه في وزارة الدفاع وتهديده بأهله كي يعترف.
الكيلاني المتهم بالإنتماء إلى "جبهة النصرة"، عزا تواصله مع أسامة منصور عبر "الواتساب" و"التليغرام" لأنّه كان يريد الحماية منه لأنّ الدولة لا تستطيع أن تحميه. وأكّد أنّ منصور كان شكله "داعشيّا" تخشاه الناس، مشيراً إلى إنشائه "غروب أخبار" يضمّ نحو 100 شخص لمعرفة آخر الأخبار وليس لهدف إرهابي، نافياً إنتماءه إلى مجموعة منصور أو تلقيه دورة عسكرية في سوريا.
وتحدّث عن تلقّيه رسالة من منصور(الرجل الخفي بامتياز، حسب تعبير العميد، الذي يغيّر شكله ويبدّل أرقام هاتفه باستمرار)، يطلب منه الحضور ليثبت له أنّه موضوع ثقة وليس عميلاً، لكنّه لم يفعل.
إفادة الكيلاني أتت أمام المحكمة مناقضة تماماً لاعترافاته الأوليّة، والتي أكّد فيها أنّه كان منتمياً إلى مجموعة أسامة منصور الذي سعى لاستهداف الأمنيين ورجال الدين في الشمال لأنّهم ضدّ التيار السلفي. بعد مقتل منصور، قرّر المتهم، وفقاً لإفادته أمام المخابرات، أنّ يثأر له فبدأ بالتواصل مع الفلسطيني بلال بدر"أبو البراء"، وبعض الأشخاص عبر "الواتساب" و"التلغرام" من ضمن مجموعة "أحباب الله" للتنسيق حول عمليات إنتحارية وإنغماسية ضدّ الجيش، وتمّ تكليف أشخاص بمراقبة ضباط والبدء بالتحضير للعمليات المنوي تنفيذها في الأهداف التالية:
ــ ثكنة الجيش الللبناني في منطقة القبة.
ــ حاجز الجيش في شارع المئتين
ــ مخفر قوى الأمن الداخلي في المئتين.
ــ مركز مخابرات الجيش في محلة المرابطون.
ــ حاجز الفهود (قوى الأمن) في ساحة النور.
ــ حاجز الجيش أوّل طلعة المنكوبين.
ــ ثكنة الجيش في دوّار أبو علي.
وفق الإعترافات، كان الهدف الأوّل ثكنة القبة واستهداف مسؤول المخابرات فيها، وتمّ تكليف القاصر "عبد الرحمن. ط" بمراقبة محيطها، من خلال ركن دراجته هناك بحجة تصليحها وتصوير الثكنة، ويقضي المخطط المنوي تنفيذه قبل شهر رمضان بيومين، بتنفيذ أربعة نقاط:
الأولى: أن يقود "عمر. ب" سيارة مفخّخة ويدخل بها إلى الثكنة ويفجّر نفسه بالسيارة، على أن يلحق به ثلاثة انغماسين هم "أبو حمزة"، و"أبو محمد كرّام" و"أبو بكر اللطش"، وتفجير أنفسهم بالجموع التي تتهافت الى الثكنة.
الثانية: في حال لم يستطع إدخال السيارة، يتمّ تفجيرها على مدخل الثكنة، ويلحق به الإنغماسيون المذكورون.
الثالثة: إذا تعذّر الوصول إلى مدخل الثكنة بسبب وجود عوارض ترابية يتمّ تفجير السيارة قرب العوارض، وبعد تجمّع العسكريين يتقدم الإنغماسيون.
الرابعة: في حال لم يستطع الوصول إلى العوارض، يتمّ التفجير عند الحاجز أمام الثكنة.
الكيلاني اعترف "أوّلياً" أنّ منصور كان يجنّد أشخاصاً قاصرين في السنّ لتنفيذ العمليات الإنتحارية، بسبب سهولة تجنيدهم وغسل عقولهم وعقيدتهم، لافتاً إلى أنّ وسيم الزاهر المعروف باسم "أبو مجاهد اللبناني"، كان طلب منه الحضور إلى العراق لمبايعة "داعش" مقابل مبلغ مالي ومنزل وزوجات، لكنّه رفض لكونه يؤيّد "جبهة النصرة". ولمتابعة استجواب بقيّة الموقوفين الثلاثة القصّار، أرجئت الجلسة إلى 19 أيلول المقبل.