لم يعد ممكناً أن يتعاطى لبنان مع الإتحاد الأوروبي بسياسات كلاسيكية، وخصوصاً في ظلّ تدفق النازحين السوريين إلى ربوعه والحاجة الأوروبية الملحّة للبنان والأردن وتركيا لمنع تدفّق هؤلاء إلى أوروبا.
وقد بدّل الإتحاد الأوروبي من سياسة الجوار الخاصّة به بشكل جذري وهو يحاول أن يبعد عنه شبح النزوح السوري في مقابل مغريات لدول مثل لبنان.
فما الجديد في هذا الخصوص؟
بعد إصدار سياسة الجوار الجديدة سنة 2015 تبنّى الإتحاد الأوروبي مقاربة تجاه الدّول الشريكة مختلفة عن تلك التي كانت سائدة سابقاً، بحيث اعتمد على وضع نصوص مشتركة محدّدة لغاية فترات قصيرة وتتضمّن أهدافاً معيّنة، فألغى ما أسمي سابقا بـ"خطّة العمل" Action Plan التي اندرجت ضمن سياسة الجوار القديمة وكانت تمتدّ في كلّ مرّة على مدى 5 أعوام، وقد استعاضت المفوضية الأوروبية بطاقمها الجديد بما يسمّى Partnership priorities أي "أولويات الشراكة"، وهي محددة أكثر ومبنيّة على التزام أكبر من الجهتين وتعهدات قصيرة الأمد. وبعد إصدار سياسة الجوار الجديدة عام 2015 يعدّ لبنان مع الإتحاد الأوروبي الوثيقة التي تحكم علاقة لبنان فيه في الأعوام الأربعة القادمة. تزامن هذا الأمر مع مسار مؤتمر لندن للنازحين السوريين، فحاول الإتحاد الأوروبي أن يدمج قيامه بالوفاء بالتعهّدات الماليّة التي أخذها في مؤتمر لندن في إطار هذه الوثيقة، وذلك عبر ملحق لوثيقة لندن تسمّى "عقدا" أو "إتفاقية" وبالإنكليزية Compact وذلك لأن الإتحاد الأوروبي يطلب في مقابل الأموال التي يقدّمها برنامج وخطّة عمل من البلد الشريك الذي يعمل معه، وهنا المقصود تحديداً لبنان والأردن، وبالتالي يريد الإتحاد الأوروبي معرفة ماذا يمكن لهذين البلدين أن يتّخذا من خطوات من شأنها تحسين أوضاع النازحين وفي خلفية الإتحاد الأوروبي منع تدفقهم إلى بلدانه عطفاً على أزمة الهجرة التي يعاني منها.
ليس من فكرة لتوطين هؤلاء، بحسب أوساط دبلوماسية متابعة للملفّ الأوروبي تحدثت إلى "لبنان 24"، بل إن المقاربة الأوروبية تنطلق أنه ولغاية أن يحصل حلّ سياسي في سوريا يسمح بالعودة الآمنة أو الطوعيّة فمن المطلوب تحسين ظروف هؤلاء النازحين في مقابل أموال وبموجب مشاريع محددة يجب أن يتقدّم بها لبنان، وهذا ما فعله لبنان في مؤتمر لندن للإستجابة للأزمة السورية، والذي انعقد في شباط الفائت، إذ قدّم ورقة فتحت نافذة تشير الى أنه يمكن للبنان أن يعمل على اتخاذ بعض الإجراءات الإدارية المحدودة التي من شأنها تحسين أوضاع النازحين من جهة في مقابل توفير الأموال من قبل الجهات المانحة، علماً أن خطة الإستجابة التي أعدتها الحكومة اللبنانية تعنى فقط بأوضاع النازحين والمجتمعات المضيفة بشكل مباشر، في حين تخطّتها ورقة لندن إلى مقاربة أوسع، من حيث أن لبنان طلب دعماً للبنى التحتيّة ودعم الإقتصاد الوطني حتّى ضمان تحسّن أوضاع النازحين. ماذا يمكن أن يطلب لبنان على هذا الصعيد؟
هنا تقع المشكلة بحسب الأوساط الدبلوماسية المطلعة التي تحدّثت الى "لبنان 24"، فنحن في لبنان لا نبذل الجهد المطلوب لتحديد ما نريده فعليّا، بل ثمّة نافذة سياسيّة مفتوحة لدى الإتحاد الأوروبي، لتقبّل أيّة طلبات نوعيّة وليست عادية لصالح لبنان في مقابل تحمّله لأعباء النازحين وبذله جهدا من أجل منع تسرّبهم في اتّجاه أوروبا.
فقد قدّم الأردن مثلاً مشروعاً متكاملاً، وهو عبارة عن إقامة مناطق صناعيّة يعمل فيها النازحون السوريون بشرط أن تفيد منتجات هذه المناطق من حوافز تفضيليّة من أجل دخول بضائعها إلى الأسواق الأوروبية ولبنان لم يهيّئ بعد أي شيء مشابه.
في ورقة لندن هناك الشق المسمّى "العقد" وهو المتعلّق بكيفية تنفيذ ورقة لندن مع الإتحاد الأوروبي.
يجري لبنان حاليا مفاوضات مع المعنيين الأوروبيين وقد تمّ إعداد مشاريع قدّمت في مؤتمر لندن لمعرفة ما يمكن أن يسهم فيه الإتحاد الأوروبي، وخصوصا في مواضيع التربية، ودعم البلديات بمشاريع بنى تحتية، والتجارة إذ لاحظ المعنيون بأن لبنان لا يستفيد كما يجب من إتفاقية الشراكة في الإتحاد الأوروبي.
بالخلاصة تفيد الأوساط الدبلوماسية أنه يجب صياغة سياسة جديدة مع الإتحاد الأوروبي والإفادة من النافذة السياسية المتاحة بسبب أزمة الهجرة من جهة، وبسبب اعتماد الإتحاد الأوروبي لمقاربة تختلف عن تلك التي اعتمدها سابقاً مع دول الجوار لأسباب، وقد أسماها سياسة الجوار الجديدة، وتتلخص فكرتها بأنه لا بدّ من إعطاء حوافز ومغريات حقيقية لدول الجوار وليس كما كان سائدا في السابق بحيث لم تكن توجد أي قيمة مضافة فعلية وملموسة وذلك لكي يضمن الإتحاد الأوروبي له دورا في المنطقة.