أقفل مشهد اﻻنتخابات البلدية في طرابلس على جملة مفارقات بارزة، ﻻ تفرز بالضرورة معادلات سياسية قائمة بحد ذاتها رغم احتدام المواقف المتشنجة حولها، فالانتخابات البلدية وحساباتها التنافسية تجعلها مختلفة عن الإنتخابات النيابية لتحديد اﻻحجام والاوزان، ورغم ذلك هذا ﻻ يحول دون التوقف عند خلاصات أساسية.
أولى المفارقات المتصلة بالسياسة أن التوافق البلدي سيفتح الباب واسعا أمام اجتماع الرئيسين نجيب ميقاتي وسعد الحريري بشكل تلقائي ودون جهد يذكر لختم مرحلة عصيبة دفعت ثمنها مدينة طرابلس ومجلسها البلدي بشكل أساسي، خصوصا بعد تبادل التحيات بين طرابلس وصيدا المتصلة بفتح صفحة جديدة من جهة والحديث عن تكامل بالسياسة، وهذا ما يفضي الى أجواء ارتياح عامة وتعطي دفعا لتحريك العجلة التنموية بما يتصل بمطالب طرابلس التاريخية.
ومن المفارقات أيضا هي نسبة اﻻقتراع التي لامست الـ 27 % وتخطت نسبة المشاركة في بلديتي بيروت وصيدا، وهذا ما تجاوز التوقعات المتفائلة بنسبة 2 % وهو ما يدعو للتفكير بإتجاهات الرأي العام في طرابلس وميله نحو التشجيع الشعبي للتلاقي السياسي، مع ملاحظة أساسية بأن التهويل الذي سبق يوم اﻻقتراع ذهب أدراج الرياح بعدما برهنت طرابلس بانها قادرة على تقديم النموذج الديمقراطي الأمثل، كما برهنت توقها نحو الشكل الحضاري ضمن أصول التنافس الشريف.
على المستوى البلدي الصرف تم إنجاز ما هو أعمق في السياسة وخارج حسابات القوى السياسية، ذلك ان المجتمع المحلي في بلديتي طرابلس والميناء أفرز وعبر الوصول الى تفاهمات عامة صورة عن فريق عمل متجانس يحمل كفاءات وقدرات جيدة عكس تجربتين فاشلتين تمثلا بوصول مجلس بلدي اما عن طريق الكسر عبر تطاحن انتخابي أو توافق متسرع افضى إلى مجلس بلدي غلبت عليه أجواء النكد والكيدية.
وضمن هذا العنوان كان ملفتاً جداً اﻻحتضان الكامل للحضور المسيحي كما العلوي على المستوى السياسي وعلى المستوى الشعبي وفق نقطتين: اﻻولى نسبة أصوات عالية نالها المرشحان المسيحيان، والنقطة الثانية عدم تسجيل تشطيب طائفي كما كان يحصل سابقا عن طريق شطب المسيحيين ما أدى لسقوطهم في السابق وفق حسابات مذهبية وطائفية.
يبقى مشهد دفق أصوات العلويين قبيل ساعة من موعد إقفال صناديق اﻻقتراع ما شكل مفاجئة على مستوى اﻻداء اﻻنتخابي والقدرة الخارقة على تحريك كتلة إنتخابية ضخمة تضمّ آﻻف الأصوات، ففي الوقت التي تحدثت اوساط اللائحة المنافسة بان عملية صبّ اﻻصوات العلوية تمت بهذا الشكل لعدم إحراج ﻻئحة التوافق قيل بأن ما جرى هو رسالة رفعت عيد بعثها للحلفاء والخصوم بان زعامته للطائفة العلوية كاسحة.