تنعقد اليوم الجلسة الأربعون لإنتخاب رئيس للجمهورية، في أول جلسة بعدما أطفأ الفراغ الرئاسي شمعته الثانية، بالتزامن مع إجراء الإنتخابات البلدية في كل لبنان، مع ما حملته من نتائج وإفرازات، قد يكون بعضها تعبيراً عن ترداد صدى نقمة شعبية ضد الطبقة الحاكمة، بأحزابها وسياسييها، وقد يكون البعض الآخر من هذه النتائج جاء بفعل تراكم بعض الأخطاء بعدما استطاع، الذين اعتادوا نقل البارودة من كتف لآخر، الإفادة منها وتثميرها في أكثر من مجال، وبالأخصّ في ممارسة لعبة التجييش الطبقي، وكذلك اللعب على حبل النزعة الطوائفية لدى بعض الذين لا تستهويهم كثيراً لغة العقل والمنطق والإعتدال.
وعلى رغم التباينات في تقويم نتائج هذه الإنتخابات، التي هي في الأساس تنموية محلية وعائلية أكثر منها سياسية، فإن بعض القوى السياسية حاولت من خلال هذه الإنتخابات إظهار فائض القوة لديها من خلال خوض معارك سياسية في غير محلها، وكأنها ارادت بذلك إثبات قدرتها على التحكم بـ"الأرض"، فاستماتت في شنّ معارك وهمية في عملية تحديد الأحجام اتسمت في كثير من الأحيان بحدّية لم تكن في محلها، وكان نوع من صراع اثبات وجود بين الأحزاب والعائلات، فيما التصويب بالمباشر كان يُفترض أن يكون في مكان آخر.
وبين مقارعة طواحين الهواء وبين الإنماء يستمر الفراغ مستحكماً بمفاصل الدولة، التي لا يتوانى البعض عن وصفها بـ"مغارة علي بابا"، مع ما يعنيه هذا التوصيف من انحلال على المستويات كافة، بدءاً بالتراشق الكلامي بين عدد من المسؤولين، وكان آخرها بالأمس بين الرئيس سعد الحريري ورئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع، وقبلهما ما استعمله كل من رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل ورئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية من كلام من العيار الثقيل، وما سبق ذلك من روائح صفقات فاحت من ملف معالجة النفايات، إلى أخبار الأنترنت غير الشرعي، وكأن البلاد تعيش في أفضل ظروفها.
وسط كل ذلك يتكرر اليوم في ساحة النجمة مشهد هو أقرب من المهزلة إلى أي شيء آخر، خصوصاً أن ثمة معلومات باتت شبه أكيدة من أن الدوائر المعنية بالوضع اللبناني في الفاتيكان أبلغت من يعنيهم الأمر بأن ما يجري على صعيد تغييب رأس الدولة بات لا يحتمل، مع تحميلها مسؤولية ما آلت إليه الأمور وما يمكن أن يستجدّ من تطورات دراماتيكية نتيجة الأحداث المتسارعة في سوريا والعراق، للقوى السياسية المسيحية بالتحديد.