هدأت عاصفة طرابلس البلدية، ويفترض أن ينقشع غبارها قريباً لتبدأ أعمال المسح الميداني للأصوات التي حملتها صناديق الاقتراع، والتعمق في دراستها وفهم رسائلها ومؤشراتها. فالنتيجة المدوية التي فرزتها أقلام الاقتراع في العاصمة الشمالية، تكاد توزاي في أهميتها، المعاني السياسية التي بيّنها هذا الاستحقاق، الذي حوّل أشرف ريفي من مجرد وزير مستقيل، "متمرد" على فريقه السياسي، الى لاعب حاضر في طرابلس، قد يصعب تجاوزه.
هذه ليست الخلاصة الوحيدة التي سجلها يوم الأحد الشمالي، لأن أبرز ما يمكن قراءته في سطور الأرقام التي سطرها جداول التصويت الطرابلسي، هو أنّ الشارع الشمالي السني يطرب لخطاب التطرف مع أنّ هذ التطرف طال شريكاً أساسياً في البلد هو "حزب الله"!
عملياً، يقول أحد المتابيعن إنّ هذه النقطة بالذات هي أخطر ما يمكن الخروج به من النهار الانتخابي الطويل، ما يعني أنّ كل محاولات قوى الاعتدال السني في اقناع جماهيرها بصوابية أدائها وقناعاتها وخطاباتها القائمة على سياسة الانفتاح والحوار والمشاركة.. ذهبت سدى.
يؤكد هؤلاء أنّ ريفي اتكأ الى هذا الخطاب وهو يعرف جيداً أنه لن يخسر شيئاً طالما هو في مرحلة بناء حيثيته، وبالتالي إذا استخدام طريق شدّ العصب المذهبي سيكون طوق نجاته للوصول الى برّ الزعامة، فيما لو أتيحت له. وهذا ما فعله.
بينما للقوى السنية الأخرى حسابات أكثر تعقيداً لربطها بإصرارها على مدّ يد التعاون مع القوى اللبنانية الأخرى، ولهذا ترفض استخدام هذا الخطاب وفضّلت خوض معركة انمائية لا تضطرها الى اللجوء الى مفردات العصبية المذهبية، كي لا تخسر علاقتها بالفريق الآخر.
وهذا ما يفترض بقوى الثامن من آذار، وتحديداً "حزب الله" كما يرى المتابعون، أخذه بعن الاعتبار والبناء عليه في المرحلة المقبلة. فعلى رغم طاولة الحوار الثنائية القائمة بين تيار "المستقبل" و"حزب الله" غير المعفية من أسهم الانتقادات والاعتراضات على قاعدة المزايدة على "الزرق" حتى من داخل صفّهم، تتعامل الضاحية الجنوبية مع زعيم "المستقبل" على أنّه ورقة محروقة لا يفترض التعويل عليها، كما غيره من القيادات السنية المعتدلة. لا بل تذهب الى حدّ السعي لقطع الطريق امام عودة الرئيس سعد الحريري، أو من يمثله، الى السراي.
فهذه القيادات السنية تدفع ثمن نهجها الانفتاحي من خلال المزايدة عليها من جانب أبناء جلدتها كون الخطاب الاستفزازي المتطرف هو الأكثر سهولة وقبولاً من غرائز الناس، لا عقولهم، ولهذا أثبتت الانتخابات البلدية أن الخطاب المتطرف يقضم رويداً رويداً من طبق القوى المعتدلة، التي سيكون أمامها واحد من خيارين: اما المزايدة على المتطرفين من خلال خطاب أكثر تشددأً تحافظ بواسطته على مكتسباتها، واما مقاومة هذا المدّ الجارف... على أن يلاقيها الآخرون الى منتصف الطريق.
وهنا تحديداً مهمة قوى الثامن من آذار في ملاقاة قوى الاعتدال السني للمساهمة في تعزيز موقعه في السلطة للتعويض عن لغة التطرف والتشدد واقناع الجمهور بأن الحوار والانفتاح هو الضمانة لاستقرار البلد. فهل من سيلتقط هذه الإشارات؟