أظهرت الإنتخابات البلدية حجم الثغرات التي تشوب قانون الإنتخابات التي يجري على أساسه الإستحقاق البلدي، وأبرزها تغييب العنوان الإنمائي وتسييس هذا الإستحقاق إلى أبعد الحدود، حتى بدا في الكثير من محطاته اختباراً لنفوذ الزعامات السياسية وأحزاب السلطة، ومقياساً لمدى تفاعل الناخب مع تحالفات سياسية مستجدة، فاختلط خلال العملية الإنتخابية الحابل العائلي بالنابل السياسي في الكثير من البقع الجغرافية، وحضر المال الإنتخابي وغابت البرامج الإنتخابية.
كل هذه الشوائب وغيرها تُظهر الحاجة إلى إقرار قانون عصري يعكس صحة التمثيل، ويشكل نقلة نوعية في إدراة عمل البلديات وعلاقتها بالمجتمع المحلي، كسلطة محلية تنظم الفضاء الحياتي والإنمائي للمواطن في بلدته أو مكان سكنه، بعيداً عن العناوين السياسية التي لن تفيد الوظيفة البلدية بشيء سوى المزيد من التباعد بين فئات المجتمع. ولإن الإصلاحات الإنتخابية تأتي متساوية في الأهمية مع إقرار قانون جديد للإنتخابات، يجب العمل على الأولى إذا كان الوصول إلى الثانية متعذراً في الوقت الراهن. إحدى هذه الإصلاحات تمكين الناخب من الإقتراع محل إقامته، كون المواطن يحتاج إلى الخدمات التي تقدمها السلطة المحلية في مكان إقامته وليس في مسقط رأسه.
وفي هذا السياق كشف النائب ياسين جابر لـ "لبنان 24" عن اقتراح يعمل على بلورته لتقديمه إلى المجلس النيابي يتيح للمواطن اللبناني أن يقترع في المكان الذي يقطن فيه قائلاً: "الإقتراع مكان السكن عامل أساسي يجب اعتماده في الإنتخابات البلدية، وعلى سبيل المثال ولدت وترعرت في بيروت، وأقطن فيها منذ 55 سنة، كل أعمالي في بيروت، أدفع الرسوم البلدية المتوجبة، فلماذا أحرم من حق إبداء الرأي في مجلسها البلدي وعملها الإنمائي الذي يعنيني في كل خطواتي وحياتي اليومية حيث أعيش، وهذا حال الكثير من المواطنيين، وانطلاقاً من تعريف البلدية على أنها سلطة محلية إنمائية، يجب أن نبدأ هذا الإصلاح الإنتخابي في الإستحقاق البلدي، لإن الأمر مختلف في النيابي ونتركه إلى حينه. ولكن لا بدّ من معالجة الإقتراع في أماكن السكن للأشخاص الطبيعيين الذين لديهم أماكن سكن في النطاق الجغرافي للبلدية التي يعيشون فيها، والذين يدفعون رسماً بلديا، بصرف النظر عما إذا كانوا ملاّكين أو مستأجرين".
جابر رأى أنّ السير بهذا الإصلاح يعيد الإعتبار إلى العمل الإنمائي في الإستحقاق البلدي ويرفع من نسب المشاركة في المدن، مشدداً على العديد من العبر التي يجب استخلاصها من هذا الإستحقاق، أبرزها وجوب اعتماد النسبية في الإنتخابات البلدية بحيث "لا يمكن الإستمرار بالسياسة الإقصائية، ويجب أن يُفتح المجال لكل من لديهم الرغبة بالإشتراك في الخدمة العامة في العمل البلدي، واعتماد النسبية عامل مساعد على تحقيق هذا الهادف، كي لا يخسر ما نسبته 49 فاصل 9 بالمئة، ويستحوذ من حصل على 51 فاصل 1 بالمئة على كل المقاعد".
هذا الإصلاح الإنتخابي الذي سيسلك طريقه قريباً إلى السلطة التشريعية، سيصطدم بطبيعة الحال بالعامل الديمغرافي الذي قد يقلب الموازين، طالما أنّ النظرة إلى الإنتخابات البلدية لا تخلو من المذهبة والتسييس.