إذا كان القادة السياسيّون الإسرائيليّون قد اضطرّوا إلى التعاطي مع إدارة الرئيس فلاديمير بوتين خلال المرحلة الأولى من عهده على قاعدة عدم التردّد في مصافحة اليد الروسيّة والدعاء عليها بالكسر في آنٍ معًا، فإنّ أسباب ذلك تعود إلى أنّ تلك المرحلة التي تلت لحظة الانعطاف التاريخيّة بين القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، كانت قد حملت معها ما يكفي من الدلالات للتأكيد على أنّ رياح الكرملين ستجري بعكس ما تشتهي سفن اللوبي اليهوديّ الروسيّ، ولا سيّما أنّ الرئيس بوتين، ومنذ تسلّمه مقاليد الحكم بصفة رئيس بالإنابة، ومن ثمّ كرئيس منتخب، لم يتردّد لحظة واحدة في استخدام مبدأ الضرب بيدٍ من حديد لدى تصدّيه للحرب الاستباقيّة التي شنّها الأوليغارشيّون الروس ضدّه، الأمر الذي راح يُفقدهم، بشكلٍ تدريجيٍّ، كلّ ما حقّقوه من مكتسبات على أطلال تفكّك الاتّحاد السوفييتيّ، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ هؤلاء الأوليغارشيّين الذين كانوا يرمزون إلى "حُكم القِلّة"، وعلى رأسهم بوريس بيريزوفسكي وميخائيل خودروكوفسكي وفلاديمير جوسينسكي وألكسندر سمولينسكي وميخائيل فريدمان وفاليري مالكين، وجميعهم من اليهود باستثناء بيريزوفسكي الذي تحوّل من اليهوديّة إلى المسيحيّة الأرثوذكسيّة، تمكّنوا خلال مرحلة حكم الرئيس الراحل بوريس يلتسين من السيطرة على مفاصل الاقتصاد الروسيّ، بعد أن بلغت نسبة ممتلكاتهم خلال العقد الأخير من القرن العشرين نحو سبعين في المئة في قطاع النفط والغاز الطبيعيّ، ومئة في المئة في قطاع السماد الزراعيّ، وثمانين في المئة في قطاع صناعة السيارات، وستّين في المئة في قطاع صناعة الطيران المدنيّ، وخمسة وثمانين في المئة في قطاع الأخشاب، وسبعين في المئة في قطاع البنوك والمصارف، وثمانين في المئة في قطاع شركات التأمين، وخمسة وستّين في المئة في قطاع الإعلام المرئيّ والمكتوب والمسموع، علاوة على أنّهم تسبّبوا في تكبيد روسيا خسائر ماليّة فاقت قيمتها ثلاثة تريليونات دولار، وذلك على خلفيّة برامج الخصخصة التي أهّلتهم لشراء ممتلكات الدولة بأسعار بخسة، وهو ما أتاح لهم الفرصة لتحقيق الثراء الفاحش والسريع، وبالتالي للحصول على نفوذ كبير في الحياة السياسيّة.
المتابعون للشأن الروسيّ عن قرب، يدركون هول الصدمة التي تلقّاها الإسرائيليّون جرّاء التراجع السريع لنفوذ اللوبي اليهوديّ الروسيّ في قصر الكرملين، وخصوصًا بعدما تأكّد لهم بشكلٍ قاطعٍ أنّ كلّ الآمال التي علّقوها في السابق على إمكانيّة تأهيل الدولة العبريّة لتملّك أسهمٍ في شركة "غازبروم" الفتيّة (وقتذاك)، سرعان ما تبدّدت مع بداية العهد البوتينيّ، الأمر الذي دفعهم إلى الإسراع في إيفاد وزير التعاون الإقليميّ شمعون بيريز إلى موسكو، وذلك في إطار مهمّة استطلاعيّة تهدف إلى استقراء ملامح "المستقبل المجهول" في مسار العلاقات الروسيّة – الإسرائيليّة.
حدث ذلك في النصف الثاني من عام 2000، وكان الخطاب الرسميّ الروسيّ يركّز حينذاك على إرسال إشارات مفادها أنّ موسكو عازمة على استعادة دورها كاملًا كراعية ثانية للعمليّة السلميّة في الشرق الأوسط، الأمر الذي كان قد تجلّى من خلال الجهود الحثيثة التي بذلها مهندس الديبلوماسيّة الروسيّة الحديثة إيغور إيفانوف على هذا الصعيد، والتي أدّت لاحقًا إلى إعادة إحياء دور اللجنة الرباعيّة المعنيّة بالملفّ الشرق أوسطيّ، أي الولايات المتّحدة الأميركيّة وروسيا الاتّحاديّة والأمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ، وذلك بعد زيارات متتالية قام بها العديد من المسؤولين العرب والفلسطينيّين لموسكو، ومن بينهم الرئيس الراحل ياسر عرفات، وهو ما دفع بيريز حينذاك إلى القول: "إنّ صوت روسيا المعتدل، وغير المنحاز لطرف ضدّ طرف، سيكون مسموعًا أكثر في المحافل الدوليّة"!
يومها، لم تحظَ تصريحات بيريز بالأصداء التي كانت مأمولة منها، ولا حتّى بأيّ تعليق رسميّ روسيّ، الأمر الذي دفع تل أبيب إلى الشروع في انتهاج سياسة تتّسم بالحذر الشديد لدى تعاطيها مع قيادة الكرملين، على رغم أنّ عدد المسؤولين الإسرائيليّين الذين زاروا العاصمة الروسيّة خلال السنوات الستّ عشرة الماضية ظلّ يرتفع باستمرار، بدءًا من زمن أرييل شارون وصولًا إلى زمن بنيامين نتنياهو.
ولعل ما كان واضحًا خلال تلك المرحلة هو أنّ هذا الحذر الإسرائيليّ، دفع الدولة العبريّة أيضًا إلى اتّباع أساليب متعدّدة الأوجه في تعاملها مع القيادة الروسيّة، وصلت إلى حدّ قيام الإسرائيليّين، مثلًا، بتقديم كافّة أشكال الدعم التقنيّ واللوجستيّ لقيادة الجيش الجورجيّ أثناء اندلاع الحرب الروسيّة – الجورجيّة في شهر آب عام 2008، وذلك في وقت كانوا يُظهرون فيه حرصهم على إقامة أفضل العلاقات مع روسيا! ولكنّ النبرة الحازمة التي سارع المسؤولون الروس إلى استخدامها عن طريق التلويح بالردّ على كلّ ما من شأنه تعريض الأمن القوميّ الروسيّ للخطر، أدّت إلى إيقاف هذا الدعم، وبالتالي إلى إعادة تصويب إبرة بوصلة العلاقات الروسيّة – الإسرائيليّة.
وممّا لا شكّ فيه هو أنّ المسؤولين الإسرائيليّين، خلافًا لقادة عدد من الدول العربيّة، أدركوا أخيرًا أهميّة روسيا كلاعب دوليّ وإقليميّ بامتياز، وراحوا يتعاملون معها على أساس مدى فاعليّتها على المسرح العالميّ... وربّما كان هذا الإدراك وحده هو الذي دفع بنيامين نتنياهو إلى الإعلان بالفم الملآن اليوم عن أنّ العلاقات الوطيدة بين موسكو وتل أبيب تفيد الأمن القوميّ الإسرائيليّ... وهو أمر، أغلب الظنّ أنّ غالبيّة القيادات العربيّة لم تدركه بعد، وحبّذا لو تدركه قبل فوات الأوان!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)