من يستمع إلى تعليق السفير السعودي علي عواض العسيري في المقابلة التلفزيونية التي أجريت معه الأحد الماضي، عن نتائج الانتخابات البلدية والاختيارية في طرابلس، يجد أن كل ما خرج من تحليلات وقراءات ومواقف وردود حولها، ليست سوى غبار أثير في الاجواء السياسية اللبنانية، وجدت فيه القوى السياسية ملاذاً آمناُ لها ومساحة ترضيها وعنواناً جاذباً صالحاُ للاستثمار والتصويب من خلاله على الخصوم، جارّة بذلك شارعها الى حيث تريد، وهي بكل حال، فرصة تلهيهم بها عن ملفات اكثر أهمية ابتداءً من ملف الاستحقاق الرئاسي وصولاً الى الملفات الاقتصادية والحياتية والاجتماعية.
"المطلوب في هذه الظروف عدم توظيف مثل هذه الامور، سواء ربح أو خسارة ، خدمة لمصلحة لبنان، هذا هو المطلوب وليس المطلوب التناحر". هكذا كان تعليق السفير العسيري على ما أثير من مواقف وردود على نتائج الانتخابات البلدية والاختيارية في طرابلس، مخفّفاً من اهمتيها واضعاً اياها في خانة المعارك البسيطة التي طويت، مضيفاً أن المطلوب طيّ صفحتها و"الانتقال الى مرحلة جديدة"، هو تصريح وإن كان قد غُلف ظاهره بدبلوماسية رفيعة، إلاً أنه مع ما استتبعه من مواقف أخرى، أطلق عاصفة حزم سياسية داخلية ضبط من خلالها ايقاع الاداء السياسي للحلفاء بشكل خاص، ودلالات ذلك يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:
- التقاط المملكة لاشارات "الجنون" التي عاثت فوضى وخراباً في "البيت الازرق"، والتي تجلت بـ"ريفه" و"مشنوقه"، والتنافس الواضح الذي برز جلياً بينهما مؤخراً. فالاول، أي ريفي انشقّ عن صفوف "تياره الازرق" عند اول فرصة انتخابية، فاتحاً لنفسه فرعاً ازرقاً خاص لحسابه، ناكلاً بكل العهود التي اطلقها للرئيس سعد الحريري خاصة ابان تشكيل الحكومة، والتي شدد فيها على أن "اشرف لن يرضى بأن يكون جزءاً من المشكلة التي تواجه تأليف الحكومة بل هو جزء من الحل"، مؤكداً أن شيئاً لن يبدل قناعاته وسيكون في خدمة هذه القناعات في أي موقع يمثل طرابلس واهلها الاوفياء لمسيرة الشهيد رفيق الحريري"، والثاني أي المشنوق، باطلاق تصريحات ضد المملكة العربية السعودية، محاولاً من خلالها القفز فوق "بخار" ريفي، رامياً حجراً كبيراً في بئر تياره الازرق فاذا به يضيع الهدف وتنال "نقرته" النصيب الأكبر.
- تقليل المملكة من أهمية التقارب مع الوزير ريفي معيدة اطاره الى موقع "ريفي" الأمني السابق والذي فتح له قنوات التواصل مع المملكة عبر "مشاركته في دورات أمنية عدة وعضويته في مجلس جامعة محمد بن نايف الامنية"، مؤكدة على أن ذلك يدخل ضمن اطار سياستها القائمة على الانفتاح على كل اللبنانيين.
- الحوار بين كل القوى السياسية يتقدم سلم اولويات المملكة وعلى رأسه التوافق "السني- السني" انسجاماً مع استراتيجيتها الجديدة القائمة على رصّ صفوف الاعتدال السني ضمن محور قادر على مواجهة الارهاب والتطرف بكافة صوره، وقد برز ذلك من خلال اشارة السفير العسيري الى الصورة الجامعة للقيادات السنية "التي تمازح وتضحك "تحديداً في عشاء السفارة السعودية الاخير، وأهمية اللحمة في ما بينها، معتبراً أن هذه الصورة تعكس روح العلاقة التاريخية اللبنانية مع المملكة التي بدورها تحب وتحترم كل من يحب لبنان ويحترم، قاطعة الطريق على مَن أخرج نفسه عن حضور العشاء بحجة "الإحراج"، رافعة "سقف" حدوده الحوار والتلاحم بين القوى السنية خاصة، وبالتالي ما من مقعد سيحجز لمن يحاول القفز فوقه.
- رفع وثيقة "اتفاق الطائف" مجدداً في وجه كل من تسّول له نفسه العمل على استبدالها باتفاق جديد يكّرس مبادىء تضرب عمق صيغة العيش المشترك، عبر التأكيد على سياسة المملكة المنفتحة على كل الطوائف بما فيها الشيعية منها في لبنان، وفق ما عبر عنه السفير العسيري، واضعاً خلاف المملكة مع "حزب الله" بعيداً عنها.
ريفي خارج السرب السنّي
ولكن وفي ضوء ما تقدم، تبرز جملة أسئلة تطرح، حول حقيقة الأداء السياسي للوزير ريفي، وهل ما انتهجه من سلوك خارج السرب "السني"، اذا صح التعبير، يصب في صالح الاطار الذي رسمته المملكة للقوى السنية بشكل خاص، أم أن ما قام به يشكل "هدية" غير مباشرة لـ"حزب الله"؟
لا شك في أن تحليلات كثيرة وقراءات تناولت نتائج الانتخابات البلدية والاختيارية في طرابلس ونتاقضت فيها الآراء والمواقف، إلاّ أنها اغفلت أن هذه النتائج جاءت حصيلة نسبة اقتراع متدنية شكلت 27% فقط من أهل المدينة، وهي نسبة لا يمكن ان تختصر مزاج 73% الباقية من اهل المدينة الحقيقي، وبالتالي لا يمكن الركون اليها في صنع "زعامة"، ويبقى سقفها الأعلى "سطح بلدية"، هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى فإن النتائج التي افضت اليها لم تكن تعبيراً عن الحاجة للتغيير بغية الانماء وانما جاءت لتلاقي من عرف نقطة ضعفها فجاء يحاكيها بالنفس "التعصبي"عينه الذي زرع فيها لسنوات، خاصة بعدما ركن "التيار الازرق" مؤخراً عربته جانباً والتحق بركب نهج الانفتاح والشراكة والاعتدال. ومهما يكن فإنه بات واضحاً ان السلوك السياسي الذي ينحوه ريفي يخرج عن اطار الحوار الذي تسعى المملكة لارسائه بين القوى السياسية وتحديداً السنية - السنية، وهو بذلك يشكل هدية غير مباشرة لـ"حزب الله" الذي يجد في ذلك مساحة يمكن أن تخفف عنه وطأة الضغوط الممارسة عليه من خصومه واولهم "التيار الازرق"، والمؤشر على ذلك صدور أولى التبريكات عن الوزير السابق وئام وهاب بما يمثله هذا الاخير. ولكن هل يدرك ريفي حقيقة تداعيات التنزه خارج الصف السني في هذه المرحلة بالذات أم أنه جرى استدراجه وكرسي الزعامة كانت له "الطعم"؟
ما بين الرياض والدوحة؟
بالعودة قليلاً الى الوراء اوردت احدى الصحف المحلية مراسلة بعث بها قائد الدرك السابق انطوان شكور الى ريفي معترضاً على أدائه كتب له فيها :"انت تتصرف بعقلية أنا الملك .. أنا القانون". ربما هذه الرسالة هي الاكثر تعبيراً عن النزعة التي تتحكم بسلوك الوزير المستقيل، وهي التوق لاعتلاء عرش الزعامة في أي موقع يكون فيه والعمل على كل ما يعبّد الطريق امامها ومحاربة كل من يقف عائقاً امامها سواء اكان حليفاً أم خصماً، وبالتالي تبقى العناوين التي ينفخها في وجه الجمهور ولاسيما المواجهة لـ"حزب الله" مجرد عناوين خاوية تتحكم بها ظروف المرحلة، والدليل على ذلك ما نقلته مصادرمطلعة في نيسان العام 2014 عن لقاء سابق جمع ريفي ورئيس وحدة الارتباط والتنسيق في "حزب الله" وفيق صفا بعد تأليف الحكومة، ثم اعقبه تبدل واضح في مواقف ريفي الذي تحدث بايجابية عن العلاقة مع "حزب الله" وعن فتح علاقة الحوار معها، بعد تنفيذ الخطة الامنية في طرابلس، حيث أجرى الاخير حينها اتصالاً مباشراً بصفا للتنسيق في قضية مشتركة.
بكل حال، إن الحالة المضخمة التي رسمت لريفي عبر وسائل الاعلام وتحديداً "الجزيزة" وما رشحت عنه الصحف من معلومات عن دعم قطري لمعركته الانتخابية في طرابلس كان لمعراب اليد الطولى فيها، ربما تشيرالى حراك قطري في الداخل اللبناني تسعى من خلاله لخطف الساحة الداخلية عبر اعتماد وجوه تواقة للسلطة وتقديم الدعم لها محاولة من خلال ذلك "هز العصا" في وجه اللاعب السعودي، حيث تشهد مؤخراً العلاقة بينهما توتراً شديداً، اذ توقعت مصادر دبلوماسية عن قيام السلطة السعودية باغلاق الحدود مع قطر بعد تقارب الدوحة مع أنقرة. بالطبع هذا الخلاف ليس بيتيم، فله بذور قديمة صرح عنها مؤخراً للمرة الاولى رئيس وزراء قطر السابق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني لصحيفة "فاينانشال تايمز" قال فيها: "عندما بدأنا الانخراط في سوريا العام 2012 كان لدينا ضوء أخضر بأن قطر هي التي ستقود، لأن السعودية لم ترد في ذلك الوقت أن تقود. بعد ذلك حصل تغيير في السياسية ولم تخبرنا الرياض بأنها تريدنا في المقعد الخلفي. وانتهى الامر باننا اصبحنا نتنافس مع بعضنا وهذا لم يكن صحيا".