يعاني المواطن اللبناني في مدن وقرى كثيرة انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي على المدى السنة، او انقطاعات موسمية بسبب موجات الحر أو الصقيع. مظاهر التقنين في معظم المدن مشتركة، فيما خلا عروس البقاع، أي مدينة زحلة، التي نجحت إدارة شركة "كهرباء زحلة" في تأمين التيار 24/24 ساعة عبر اعتماد الخصخصة (شركة خاصة تتم مراقبة تسعيرتها من قبل الدولة).
وحيث أن الطلب على الطاقة الكهربائية اللبنانية يرتفع سنة بعد سنة، وهو أمر جدير بالتقدير، إلا ان ظاهرة نمو الطلب السريع على الكهرباء والذي يتراوح بين 5 الى 8 % سنويا يقابله نمو سنوي يقارب الصفر، حسبما يؤكد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. المفارقة هنا أنه عالميا ينمو الطلب على الكهرباء بصورة مرتبطة بنمو الاقتصاد، بينما في العالم العربي عموما وفي لبنان أيضا فإن هذا الارتباط غير موجود. أما السبب الرئيس لذلك فهو دعم أسعار الكهرباء على حساب أموال الخزينة العامة والاستعمال المفرط وغير الرشيد للطاقة. إذ من اللافت ان سياسات دعم الكهرباء هي واحدة من الافات الكبرى في هذا القطاع لأن المستفيد من هذا الدعم هو الطبقات الغنية عادة.
لذا فالكهرباء اللبنانية في أمس الحاجة الى ترشيد الإستهلاك عن طريق التسعير الصحيح واستخدام التكنولوجيا الحديثة للحفاظ على الطاقة، وطبعا وعي المستهلكين بأساليب الترشيد، يضاف لذلك ضرورة إيقاف الهدر في نقل الكهرباء، فالمعامل اللبنانية قديمة العهد (معمل الجية مثلا عمره اكثر من 40 سنة)، أيضا فإن شبكة نقل الـ 220 ك.ف غير مترابطة ما يجعلها غير مستقرة وعرضة للمشاكل في الصيف والشتاء، وسبب آخر يتمثل بعدم توافر التخطيط السليم والإعتداء على الشبكة في عدد من المناطق وعدم دفع فواتير الاستهلاك أو عدم جبايتها. وتقدر الخسائر الفنية في نقل الكهرباء وتوزيعها بنحو 15% في حين تتجاوز الخسائر غير التقنية مثل السرقة والجباية غير المنتظمة الـ 20% من الكميات المنتجة.
بين النزوح والفساد
هذه العوامل التقنية يضاف اليها مشكلة اجتماعية بدأت منذ العام 2011 ترخي بظلالها على قطاع الكهرباء شأنه شأن القطاعات الأخرى، وهي مشكلة النزوح السوري التي تؤدي إلى زيادة الإستهلاك وضعف إمكانات التمويل الذاتي وتكبيد الدولة نحو 2 مليار $ سنويا لسد العجز الحاصل.
يعتبر الغاز الوقود المثالي لتوليد الكهرباء، ورغم ان هذا الاعتبار ليس سرا خفيا، فمن اللافت أن المنطقة العربية هي المنطقة الوحيدة في العالم التي لا زالت تعتمد على النفط في إنتاج الكهرباء مع ما يعنيه ذلك من حرق لما تملكه هذه الدول من ثروات. وبينما يستمر لبنان بالإتكال على إستيراد الوقود الثقيل (الفيول أويل) لتلبية الطلب على الكهرباء، تؤكد الدراسات وجود احتياط هائل من الغاز في شرق البحر المتوسط، ويقدر احتياط الغاز اللبناني بأكثر من 25 تريليون قدم مكعب، كما تؤكد الدراسات أيضا انه اذا تم استبدال الفيول أويل بالغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء في لبنان فمن المتوقع أن تتوقف الخسائر على الاقتصاد اللبناني مع ربح يتخطى الـ 285 مليون $ أميركي سنويا.
لكن رغم تأكيد ما تقدمه ثروة لبنان النفطية والغازية من حلول تشمل قطاع الكهرباء لم ينجح لبنان بدخول نادي الدول النفطية وسوق الغاز العالمي بعد، وذلك لأسباب عديدة نذكر منها نزاعه مع العدو الإسرائيلي على ترسيم الحدود البحرية ما أدى الى تردد الشركات العالمية بالمشاركة في عمليات التنقيب، يضاف اليه الفساد اللبناني المستشري وانعدام دور المؤسسات، والتنازع على المصالح، وأيضا الشغور في الرئاسة الأولى والفوضى السائدة والفضائح المتتالية والنفايات المتراكمة حيث تعتبر كلها عوامل غير مشجعة للإستثمار في لبنان.
ماذا عن الطاقة المتجددة؟
على الرغم من صغر مساحة لبنان الا أننا لا نملك القدرة على الإفادة من مصادر الطاقة المتجددة التي التزمت الحكومة بتأمين 1.5% منها خلال سنوات قليلة مؤكدة انه يمكن الحصول عل 200 ميغاواط من مشاريع الرياح في منطقة عكار.
وإذا كان لا بد من تشجيع الطاقة المتجددة مع إدراك محدوديتها فإن من المبالغة الحديث عن اعتماد كلي عليها. اذ لا تشكل مساهمة الطاقة المستدامة (شمس ورياح) حاليا أكثر من 1.5 % من الطاقة العالمية و5% من انتاج الكهرباء عالميا ومن المتوقع أن تشكل الطاقة المستدامة 8_9% من طاقة الكهرباء عام 2040. أما السبب في عدم قدرة الطاقة المستدامة على أداء الدور الرئيس في قطاع الكهرباء اللبناني والعالمي هو الحاجة الى تطور جدي وكبير في تقنية تخزين هذه الطاقة وإصدار التشريعات الملائمة وتنظيم طرق استخدام هذه الطاقة وتحديد المعايير المطلوبة.
إذا وحتى نكون على طريق حل أزمة الكهرباء، المطلوب هو إعطاء إشارة واضحة للشركات بأن الحكومة اللبنانية عادت للإهتمام بقطاع النفط والغاز وهي خطوة تتطلب استكمال دورة التراخيص من خلال إقرار المرسومين المعلقين منذ 2013 والمتعلقين بإتفاقية الإستكشاف والإنتاج ودفتر الشروط وتحديد البلوكات.
وإذا غالينا بالتفاؤل بأن يتفق الزعماء قريبا لأن القضية قرار سياسي، ثم معضلة أخرى، تتمثل، وفق ما تؤكده مصادر فلسطينية، أن الغربيين أبلغوا اكثر من جهة لبنانية أن لبنان لن يستطيع استخراج الغاز دون إنهاء ملف اللجوء الفلسطيني وتوطين جزء من الفلسطينيين.
يبقى ان اضاءة الشمع أفضل من لعن الظلام!