إلى أيّ مدى يا ترى يمكن أن تتكيّف الولايات المتّحدة الأميركيّة مع إرهاصات ما يُشاع عن إمكانيّة خروج حليفها الإسرائيليّ من فضاءات مصالحها الاستراتيجيّة في منطقة الشرق الأوسط واتّجاهه صوب الدخول في فضاء المصالح الحيويّة الروسيّة؟
سؤالٌ، سرعان ما خرج إلى دائرة الضوء على إيقاع النتائج التي أسفرت عنها زيارة رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو في مطلع الأسبوع الحاليّ للعاصمة الروسيّة، والتي حملت في عناوينها العريضة والفرعيّة ما يكفي من الدلالات للتأكيد على أنّ العلاقات بين موسكو وتل أبيب تمرّ في الوقت الراهن بأحسن حالاتها، وذلك بالتوازي مع تراجع ملحوظ في مسار العلاقات الأميركيّة – الإسرائيليّة، ولا سيّما أنّ كافّة التحليلات التي تناولت هذه الزيارة، بمختلف أبعادها السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة، أجمعت على التسليم بأنّ نتنياهو، ما كان ليفجّر مفاجأة الإعلان عن قبوله غير المشروط بمبادرة السلام العربيّة لعام 2002 أثناء مباحثاته في قصر الكرملين مع الرئيس فلاديمير بوتين، لو لم يصل إلى درجة اليقين الكامل بأنّ قدرة اللاعب الروسيّ على التأثير في الملفّات الشرق أوسطيّة أصبحت تفوق بكثير قدرة تأثير اللاعب الأميركيّ، ولكان قد ترك تلك المفاجأة لكي يقدّمها، كهديّة مثلًا، للمترشّح الذي سيحظى بنصيب تولّي مقاليد الحكم في البيت الأبيض لدى انتهاء معركة الانتخابات الرئاسيّة المقبلة، أو على الأقلّ، لكي يناور بها، وخصوصًا في ظلّ الحديث الدائر حاليًّا عن إعادة هيكلةٍ وترتيبٍ لشؤون المنطقة وشجونها.. وربّما لخرائطها أيضًا.
لا شكّ في أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ، وإن كان قد وجد في موسكو الوجهة الصحيحة لكي يرسل منها إشاراتٍ متعدّدةً وبعيدةَ المدى إلى الأميركيّين، فإنّ الحديث عن موعد إجراء مراسم الطلاق بين الولايات المتّحدة والدولة العبريّة لا يمكن أن يرتكز حتّى الآن على أيّة أدلّة قاطعة، الأمر الذي يمكن تأكيده من خلال التصريحات التي سارعت صحيفة "هآرتس" إلى نشرها نقلًا عن لسان السفير الإسرائيليّ السابق في روسيا زئيفي ماجين، والتي قال فيها إنّ "نتنياهو بعلاقته مع روسيا لم يبدّل ولاءه لأميركا"، موضحًا أنّ ما يحدث هو "محاولة للمناورة بشكل مستقلّ لدعم مصالح إسرائيل".
وإذا كان هذا الكلام لا يبدّد بالطبع الهواجس الأميركيّة من زخم التقارب الأخير بين موسكو وتل أبيب، نظرًا لأنّ الولايات المتّحدة تعرف تمامًا مدى أهمّيّة أصوات مليون ونصف المليون يهوديّ روسيّ في الحسابات الانتخابيّة الإسرائيليّة، فإنّ القطع بين الشكّ واليقين حول ما إذا كان نتنياهو يناور أو يغامر أو يقامر في انفتاحه على روسيا، لا يمكن أن يرتكز حتّى الآن أيضًا على أيّة أدلّة قاطعة، وسيبقى الحديث عنه سابقًا لأوانه، قبل أن تنجلي بعض غيوم الصيف التي تلبّد سماء المنطقة، وخصوصًا في ظلّ استمرار الحريق السوريّ، وما يُشاع عن خلافات جوهريّة بين روسيا وإيران حول سبل إطفائه، وهي الخلافات التي كانت قد تجلّت خلال الساعات الماضيّة من خلال تفجير قنبلةٍ إعلاميّةٍ مدوّيةٍ عن طريق قيام مصادرَ مقرّبةٍ من "حزب الله" باتّهام المخابرات الروسيّة بـ "اغتيال" القائد مصطفى بدر الدين في سوريا في الثالث عشر من أيّار الماضي، الأمر الذي سيخلّف وراءه الكثير من الأصداء والتداعيات، دون أدنى شكّ، على مدى الأيّام والأسابيع المقبلة!
ومهما يكن من أمر، فإنّ ما يبدو واضحًا وسط كلّ هذه المشاهد الضبابيّة هو أنّ الشرق الأوسط مقبل على تغييرات جوهريّة لا محالة، سواء من جهة خرائط التحالفات السياسيّة والاستراتيجيّة القائمة فيه أم من جهة تقاطعات خرائطه الجغرافيّة، تمامًا مثلما يبدو واضحًا أيضًا أنّ روسيا أصبحت دولة ذات شأن كبير في تحديد مسار هذه التغييرات، حيث الجملة المفيدة ستكون مبنيّة اعتبارًا من الآن، وكما ينبغي، على الفعل والفاعل والمفعول به... وما على العرب إلّا أن يختاروا فيها محلّهم من الإعراب.