على رغم توافر خدمة بثّ مقاطع "فيديو" مباشرة على أكثر من تطبيق هاتفي، إلا ان Live الخاصّ بموقع "فيسبوك" له "رهجة" أخرى، لا سيّما بالنسبة إلى شعب لبنان الوفيّ لموقع التواصل الاجتماعيّ هذا!
حتى الساعة، لا يتمتع جميع اللبنانيين بهذا "الترف". لسنا مستهدفين بالطبع، فهذه الخدمة لا تزال متاحة لشريحة من المستخدمين حول العالم، اختيروا بطريقة عشوائية، على أغلب الظنّ. ومع هذا، "بدّعنا"! هل كان السيد مارك زوكربيرغ على علم بما سيجري في بلد صغير يحدّه البحر الأبيض المتوسط، حين قرر إضافة الـ Live الى "امبراطوريته" التفاعلية؟!
على الأرجح، جميعنا يجهل أهداف هذه الخدمة وفوائدها أو سيئاتها، أقلّه حتى الساعة. ما نستطيع تأكيده، هو أن زوكربيرغ تخطى نظرية القرية الكونية "من زمان". بات العالم "بيت بيت". أو بالأحرى "دار دار". أو حتى "زنقة زنقة"!
لكن الـ Live، وأياً تكن دوافعه وأهدافه وميزاته، أتانا "مثل شحمة على فطيرة"... نحن شعب الفينيق! هيا بنا إذاً، إلى تفجير المواهب، فننافس "اديل" و"كيم" وحتى "ترامب"، بالشهرة والعالمية!
سوف تحرص الجارة على تشغيل الـ Live، بدءا من "مهمة" نقر الكوسى، مروراً بحشوها وصولاً الى طبخها مع "الموزات". الحدث دقيق وحساس للغاية: هل تتخيّلون موقفها في حال هشّمت حبة كوسى؟" Oh mon dieu ماذا ستقول عني تلك الحيّة الخبيثة؟!"
وبمناسبة زيارة "الحلاق" لقص الشعر أو "هندسة الذقن"، سوف نبثّ مباشرة على هواء "السوشيل ميديا": New haircut...new begining! هاتوا قالب حلوى للإحتفال...
وفي الـ Bachelor ندعكم تقفزون عن أسرّتكم على وقع الأغنية الأدرينالينية الخارقة "جنّوا نطّوا"... و"كلنا منحبك يا Bro"! أما أنتِ يا Bride to be، فيحق لك حصراً، التسلل الى موقع snapchat وتحميل مشاهد فريدة من نوعها، قد لا تتكرر في مستقبل القفص الذهبي!
وحين نتخذ قراراً بعدم متابعة نشرات الأخبار، بما فيها فقرة "المتفرقات"، سوف نتفاجأ بأحد النوّاب أو الوزراء أو "الشخصيات المرموقة" تقتحم "شرفتنا" الفيسبوكية، لتسمعنا خطاباً زهيد الثمن... نقصد أنه لا يتطلب دفع تكاليف سيارة النقل المباشر التابعة للمؤسسات الإعلامية! وما أحلانا حين نخلد الى النوم باكراً. لكن مهلاً... سوف يأتي انذار على الهاتف المشلوح تحت الوسادة، ينذرنا بأن أحد "أشهر المسلسلات الرمضانية" يبثّ الآن.. وهذه بعض المشاهد المباشرة، فتابعونا!
وليس أنكى من زميل في العمل، يمضي طيلة نهار عطلته في منتصف الأسبوع، وهو يصوّر "فقش" الموج على رمال "لارناكا"، وينهي الفيديو بجملة غير مفيدة، ومفادها You only live once!
وبما أننا شعبٌ يؤمن بأن بعد كل ظلمة فجر جديد، فلن نبخل بتصوير مآسينا اليومية، ونشرها على حبال غسيل الأجانب.
نبدأ بفاجعة زحمة السير، خبزنا اليوميّ وسمّنا. فليشهد العالم أن لبنان يضمّ جسراً "بزيح" (نهر الموت). وأن سياراتنا خارقة تمرّ من "عنق الزجاجة" في جونيه. وتعبر كذلك شلالات المياه المتدفقة من الجسور فوق طريق المطار(في فصل الشتاء). وأننا نتنقل، كعائلة تضمّ ثلاثة أطفال، على "الموبيلات". وأن مواكب أصحاب السعادة والمعالي تحطم مرآة السيارة وأسناننا.
والى نفاياتنا در. بدءا بمشوارها في منزلنا وعدم فرزها، وصولا الى... بيت بيت، دار دار، زنقة زنقة، بحر بحر... وهللّ يا مارك! لكن بربك، لم لم تكن متوافرة هذه الخدمة حين قيل أن مشهد النفايات مفبرك؟!... تباً!
وسنبثّ مباشرة، نحن الشعب المولود قبل الحرف، عمليات الرشوة في الإدارات والانتخابات والعمليات القيصرية. وعمليات الغشّ في الامتحانات الرسمية، علّ الصوت يصل الى فنلندا، البلد الأول في مستوى التعليم حيث طلابه بالكاد يذهبون الى المدارس 20 ساعة في الأسبوع ويعودون من دون واجبات منزلية. ونصوّر مباشرة أنهارنا الجافّة، والغيوم السوداء فوق معمل الزوق، و"ديجانتورنا المطقوق"، وفواتيرنا "المدوبلة" وأوراق استقالاتنا وصرفنا التعسفي. وجرائم الشرف، والطفولة المسجونة في الشوارع وهي تبيع العلكة واللوتو. وتسونامي "اللاجئين" والعمال المنتظرين رزقة تحت جسر معلّق على عواميد الصدفة.
وننشر كل هذه المقاطع المباشرة التي تبقى في "ذاكرة" الـ Timeline، فيما نحن نصلي أن يسعفنا الانترنت لإتمام "الكليبات" بنجاح وسعادة.
ونحن الشعب الذي يبدأ الاحتفالات في العالم الافتراضي قبل أسبوع من موعد العيد، فنملأ "الفراغات" في ذواتنا بالصور المناسبة للماما والبابا وBest husband ever... نتوق الى أضواء الشهرة. كلّ منا سيصبح إعلامياً ينافس مخضرمي الشاشات الـ démodée. ومحللاً سياسياً، تمتدّ رؤيته الثاقبة من بغداد الى الصين. ومطرباً من دون Play back. وقاضياً يصدر الأحكام المبرمة...
لكن هل لنا أن نحلم بتصوير انتخابات نيابية في المدى القريب؟ او انتخابات رئاسية؟ قد يكون أهون علينا ان "نطلع لايف" من غرف نومنا، نحن العراة في بلد مقطوع الرأس، ينتظر مراسم الدفن. لكننا نخجل ونستتر بورقة التين، ولا نجد حلاً الا بحمل حقيبة السفر، من دون أن نغفل عن البثّ المباشر والـ Check in في الـ VIP lounge... هكذا حتى الوصول الى دبي، فنهلل: MY DUBAI!