لمن لا يتذكر فإن المدرسة الرسمية، وهي مدرسة الفقراء، كان يُطلق عليها اسم "المعارف"، وهي تسمية تحمل الكثير من المعاني، عكس ما هو شائع عندما يتحدث البعض عن تلامذة "المعارف"، مع ما يعنيه هذا التهكم من إشارات تدّل عادة إلى المستوى المتدني للذين يرتادون المدرسة الرسمية.
لكن هذا المفهوم الخاطىء عن مدرسة "المعارف" دحضته الطالبة يارا طوني الزغبي، وهي ابنة "المعارف"، التي اثبتت بتفوقها وبإحتلالها المرتبة الاولى في شهادة "البرفيه" على مستوى كل لبنان، أن للمدرسة الرسمية مكانتها في سلّم المدارس الخاصة الذائعة الصيت، والتي ترهق اقساطها كاهل الأهل، الذين يضطّرون في كثير من الاحيان للإستدانة لتأمين التعليم اللائق لإولادهم.
وهذه الجدلية بين التعليم الخاص والتعليم الرسمي ليست جديدة، وهي قائمة منذ اليوم الأول لتأسيس المدارس الخاصة، ومن بينها مدارس ترفع الرأس، سواء بالنسبة إلى مستوى التعليم فيها أو بالنسبة إلى حرصها على مواكبة التلامذة من ناحية تنمية شخصياهم وتزويدهم بما يمكّنهم من مواجهة مصاعب المستقبل، والأهم تعوديهم على الإنضباط، من خلال بعض الإجراءات الحازمة والحاسمة التي تتخذ في حق التلامذة الذين يستبيحون مخالفة القوانين.
وهذه النتيجة التي حققتها يارا، ابنة بلدة بزيزا الكورانية، تضع المسؤولين في الدولة والمسؤولين التربويين امام مسؤولية تاريخية، لجهة بذل جهود استثنائية لرفع مستوى التعليم الرسمي، مع مفارقة لافتة أن مستوى الاساتذة في هذا القطاع لا يقلّ عن مستوى اساتذة التعليم الخاص، مع فارق اساسي وهو أن الإدارة في القطاع الخاص متشدّدة في المراقبة والمحاسبة، بينما لا أحد يراقب أو لا أحد يحاسب في القطاع العام، وهذا الامر مردّه إلى الطريقة التي تدار بها المدرسة الخاصة.
ولأن الشيء بالشيء يذكر من لا يتذكر ثانوية شفيق سعيد في فرن الشباك، وهي كانت مثالاً يُحتذى في الإنضباط وفي المستوى التعليمي، وقد تخرّج منها وزراء ونواب وشخصيات حققت نجاحات علمية.
التهنئة موصولة ليارا، أولاً لأنها حققت بجهدها ما حققته من نتائج باهرة، وثانياً لأنها فتحت العيون على واقع التعليم الرسمي، وما يتطلبه ذلك من جهود غير استثنائية لإعادة هذا القطاع إلى حيث يجب أن يكون، على خارطة مستقبل أجيال بأكملها.