بحسب الكلام من على طاولة الحوار في طبعتها الأخيرة حول الأولويات السياسية المطروحة من الرئاسة الى النيابيات، من الواضح أنّ أحدا من جماعة أهل الحكم لن يأخذ على عاتقه دعم قرار أو حتى اقتراح بأن تؤجّل انتخابات الرئاسة الى ما بعد الانتخابات النيابية، اذ في ذلك اعتراف ضمني بإبقاء الفراغ في سدّة الرئاسة لما يناهز العام الإضافي الى حين موعد الاستحقاق النيابي أوائل الصيف المقبل. وانقسام المتحاورين في عين التينة الثلاثاء الماضي بين المطالبين بالرئاسة أولا والذين لم يبدوا رأيًا صارمًا في هذا الاتجاه خير دليل على أنّ فكرة اجراء الانتخابات النيابية قبل الرئاسة لن تلقَى تأييدًا واضحًا وصريحًا حتى من قبل الأفرقاء الذين قد يفضّلون اتباع هذا التسلسل، بل أنّ هؤلاء سوف يكتفون بعدم الامتناع عن إجراء الاستحقاق النيابي أولا، كأقصى دفاع عن هذه الأفضلية كما فعلوا على طاولة الحوار.'
إلا أنّ حقيقة الأمور توحي بأنّ الرئاسة مؤجلة والنيابيات قد تسبقها، في ظلّ تعسّر الاتفاق على رئيس، ومع انطلاق البحث الجدّي حول قانون للانتخابات النيابية مع الجلسات المتتالية في أول تموز، وهو نقاش سوف يستغرق قسطًا من الوقت والمجهود قبل أن يفضي الى نتائج ملموسة، وقد لا ينتهي عمليًا قبل أوائل تشرين، خصوصًا أنّ موسم الصيف لا بدّ من أن يحتّم تباطؤًا في العمل السياسي. عندها، تدخل البلاد في جوّ التحضيرات للانتخابات النيابية التي لا مجال لتأجيلها مرّة أخرى كما أكّد عليه رئيس مجلس النواب نبيه برّي، والتي يكون موعد عقدها قد اقترب، فيضيع موضوع الرئاسة مجدّدًا في زخم هذه التحضيرات، ما يجعل اقتراح الرئيس نجيب ميقاتي بأن يُصار الى انتخاب رئيس بعد التوافق على قانون الانتخاب صعب التنفيذ.
وفي أيّ حال، لا يزال الاتفاق على شخص الرئيس يدور في حلقة مفرغة لا يبدو الخروج منها وشيكاً، على رغم الحديث المكثّف في الآونة الأخيرة عن احتمال متزايد لوصول الجنرال ميشال عون الى قصر بعبدا، اذ لا شيء يشير الى تغيير ما في موقف رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري في اتجاه المضي بترشيح عون، ولا الى تحرّك من قبل "حزب الله" ضمن فريقه لتسهيل هذه المهمّة. لا بل أن الفريقين، أي "المستقبل" و"حزب الله"، في حال حذر وترقب، اذ ان كلّاً منهما يرى أنّ ثانيهما خاسر في الأوضاع الراهنة، فيعتبر الحزب أن "التيار الأزرق" في ضيقة مالية شرسة وتشرذم سياسي مريب، بينما يرى "المستقبليون" أنّ وضع "حزب الله" قد ازداد حرجًا في ظلّ المعارك في سوريا والمشكلة المستجدّة مع المصارف، وبالتالي ينتظر الفريقان أن يأتي التنازل في موضوع الرئاسة من الجهة المقابلة، ما قد يؤدي الى حالة ترقب مستدامة والى إطالة الفراغ في سدّة الرئاسة، خصوصًا في غياب حلّ وسطي يؤدي الى انتخاب رئيس من خارج حلقة المرشحين الضيقة.
هكذا تصف أوساط سياسية مشاركة في طاولة الحوار المشهد السياسي، مؤكدة أن البلد قد دخل في حالة غيبوبة لن يستفيق منها قبل حين، خصوصًا أنّ النقاش المرتقب في موضوع قانون الانتخابات النيابية سوف يكون عسيرًا وطويلا ومعقّدًا، ومن غير المتوقّع أن يلبّي طموحات البعض بالتغيير الجدّي والجذري، بل انّه وبحسب الآراء التي تجلّت اثناء طاولة الحوار الأخيرة، ومن ضمنها الرأي الذي عبّر عنه الرئيس فؤاد السنيورة، سوف يفضي الى قانون مختلط بأدنى الدرجات وفي أفضل الحالات، هذا ان لم ينته المطاف بالإبقاء على قانون الستين.
الّا اذا.. تقول الأوساط، كان الحديث الذي استجدّ على طاولة الحوار حول ضرورة انشاء مجلس الشيوخ المنصوص عليه في الطائف يمكنه أن يغيّر مجرى الأمور في ما يتعلّق بقانون الانتخابات، مسهّلا التنازلات في هذا القانون وميسّرًا إقراره. اذ أنّ الاتفاق على انشاء مجلس الشيوخ وعلى الصلاحيات المناطة به من شأنه ان يخفّف من تشدّد الأفرقاء كافة في مواقفهم ومطالبهم وحساباتهم النيابية، متى أُقرّ مبدأ قيام مؤسسة دستورية جديدة تنتزع بعض صلاحيات المؤسسة التشريعية الوحيدة الى هذا اليوم أو تشارك فيها، فتلين مواقف النواب من قانون الانتخاب وتسهل مهمة إقراره.
والتعريف الدستوري لمجلس الشيوخ غير دقيق أو مُحكم في نصّ الطائف، إذ لا نقاط واضحة حوله وحول هيكليّته وكيفية عمله سوى في محاضر النقاشات التي دارت قبل إقرار الدستور الجديد، ما يفتح المجال امام الاتفاق على صلاحيات مرضية يناط بها هذا المجلس.
وعلى أي حال، يبقى البتّ في شتى هذه الأمور مهمة صعبة من المتوقّع أن تسلكَ مسارًا شاقًا، يحتّم بدوره تأجيل الاستحقاقات الى أقصى مواعيدها، فيكون موعد الانتخابات النيابية المقبلة أول خطوة فعلية لحلحلة الأمور العالقة.