إلى أيّ مدى يا ترى يمكن أن يستخلص اللبنانيّون العِبَر من تجربة الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين في مجال محاربة سطوة الأوليغارشيّين الروس الذين عاثوا في البلاد فسادًا خلال السنوات العجاف التي تلت تفكّك الاتّحاد السوفييتيّ، وكادوا أن يصلوا بغالبيّة سكّانها طيلة حقبة التسعينيّات من القرن الماضي إلى ما دون خطّ الفقر؟
سؤالٌ، لا بدّ من طرحه بإلحاحٍ في هذه الأيّام إذا ما أردنا إسقاط الحالة الروسيّة الآنفة الذكر على الحالة اللبنانيّة الراهنة، وذلك انطلاقًا من وجود أوجه شبه متعدّدة بين الحالتين، ليس بسبب وصول غالبيّة اللبنانيّين خلال السنوات العجاف التي تلت التوقيع على اتّفاق الطائف إلى ما دون خطّ الفقر وحسب، وإنّما لأنّ بعض الأوليغارشيّين المحلّيّين، شأنهم شأن أسلافهم الروس، سارعوا إلى التعبير عن زهوّهم بتسلّم السلطة من خلال وضع مصالحهم ومكتسباتهم الشخصيّة على رأس قائمة أولويّاتهم، وفوق أيّ اعتبار آخر، فبسطوا سيطرتهم على مؤسّسات الدولة، وأحكموا قبضتهم على مفاصل الاقتصاد، وجرّدوا البلاد من هيبتها، وعرَضوا مقدّراتها الوطنيّة في بازاراتٍ أجنبيّة "غبّ الطلب" تمامًا مثلما عرّضوا أمنها القوميّ مرارًا للخطر...
وهذه كلّها أوصافٌ مخفّفةٌ إذا ما قورنت بما فعله أوليغارشيٌّ مثل بوريس بيريزوفسكي، عندما منح القائديْن الشيشانيّيْن المتطرّفيْن شامل باساييف وابن الخطّاب مبلغًا قدره ثلاثمئة ألف دولار أميركيّ، كدفعةٍ أولى، سعيًا منه إلى تقوية شوكة الإرهاب في شمال القوقاز، بما يضمن استدراج القوّات الاتّحاديّة الروسيّة إلى خوض حرب الشيشان الثانية في شهر أيلول عام 1999، وبالتالي إلى "إلهاء" إدارة الرئيس بوتين التي كانت تتشكّل للتوّ وقتذاك على جبهات القتال و"إغراقها" في المستنقع الشيشانيّ، الأمر الذي ينطبق بكلّ بساطةٍ على ما دأب أكثر من أوليغارشيٍّ لبنانيٍّ على فعله، منذ أن ضربوا عرض الحائط بمبدأ النأي بالنفس عن تداعيات الأزمة السوريّة، واختاروا التمسّك بمبدأ الرمي بالنفس في أتونها، ففتحوا الساحة اللبنانيّة على احتمالاتٍ خطيرةٍ، بينها القنبلة الموقوتة المتمثّلة بوجود مليونٍ ونصف المليون نازح سوريّ في التركيبة الديموغرافيّة الداخليّة، وبينها ما لا يزال مختبئًا خلف بوّابة عرسال الخارجيّة، وراحوا يمارسون هواية دقّ المسامير الكيديّة لبعضهم البعض، ويتهافتون على "مسح جوخ" التطوّرات الإقليميّة والدوليّة من هنا وهناك، أملًا في كسب المزيد من الوقت الضائع وتحقيق المزيد من المكتسبات الشخصيّة، بانتظار أن ترسو التوازنات الخارجيّة المرتقبة على برٍّ، وينتهي المخاض العسير لتحديد اسم صاحب الفخامة العتيد، من دون الأخذ في الاعتبار أنّ "دود خلّ" الصيغة التوافقيّة التي أفرزها الاتّفاق المذكور يكاد أن ينخر كرسيّ الرئاسة الشاغر في قصر بعبدا منذ أكثر من عامين، وأنّ المصالحة التاريخيّة التي تُمّمت في معراب قبل نحو ستّة أشهر بين "التيّار الوطنيّ الحرّ" وحزب "القوّات اللبنانيّة"، كان يُفترض أن تضع إبرة "البوصلة التوافقيّة" في البلد في الاتّجاه الأمثل، لو كانت نوايا الآخرين صادقة.. وهذا أضعف الإيمان!
وإذا كان ما تقدّم كافيًا لتسليط الضوء على النصف المظلم من القمر في سماء المقاربة ما بين الأوليغارشيّة الروسيّة وما بين الأوليغارشيّة اللبنانيّة، فإنّ النصف المضيء من ذلك القمر يتمثّل في أنّ الرئيس بوتين، لم يكن من المقدّر له أن يحقّق نجاحًا باهرًا على الإرهاب الشيشانيّ والتسلّط الأوليغارشيّ لو لم تكن المؤسّستاْن الكنسيّة والعسكريّة في روسيا قد بقيتا محصّنتين في الأصل ضدّ سطوة طواغيت المال، تمامًا مثلما هو الحال عليه في لبنان، سواء في بكركي أم في اليرزة، ولكن مع استثناءٍ وحيدٍ يتمثّل في أنّ "بوتين اللبنانيّ"، الذي يمكن القول إنّ اسمه أصبح متاحًا بجدارةٍ منذ الثامن عشر من كانون الثاني الماضي، عندما أقدم الدكتور سمير جعجع على اتّخاذ خطوته الشهيرة التي "لا يجرؤ عليها الآخرون" بمجرّد إعلانه عن تبنّي ترشيح الجنرال ميشال عون لرئاسة الجمهوريّة، لم يصل إلى قصر بعبدا بعد، علمًا أنّ الأمل سيبقى قائمًا في هذا المجال، طالما أنّ سلوكيّات عقليّة التعصّب والعصبيّة والعصابة التي ما زالت تحول دون تحقيق ذلك أصبحت معروفة لدى الجميع، وطالما أنّ رياح التطوّرات الإقليميّة والدوليّة، في ضوء ازدياد فاعليّة الدور الروسيّ في المنطقة، تشي هذه المرّة بأنّها ستجري قريبًا بما يشتهي اللبنانيّون الذين لا يزالون يؤمنون بالعيش في وطن حرّ وسيّد ومستقلّ، معتمدين في ذلك على إيمانهم بحكمة الصرح البطريركيّ الذي ظلّ يشكّل على مرّ التاريخ "لغة العقل" في خضمّ "نوبات جنون" الجسد اللبناني، وكذلك على ثقتهم بنزاهة جيش وطنيّ أثبتت التجارب بالفعل أنّه "الجامع المشترك" لمختلف فئاتهم و"الضامن الأوحد" لأمنهم وكرامتهم وحاضرهم ومستقبلهم.. ولعلّ هذه النقطة المضيئة وحدها هي التي تدفع دائمًا إلى القول: ما أضيق العيش في لبنان لولا فسحة بكركي واليرزة.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)