تبكي القاع خمسة من شبابها الأبطال بوجع وألم. لكنها ما تلبث أن تكفكف الدموع وتفاخر: "فدينا لبنان". تبكي القاع لبنانها الذي تتهدده أحزمة ناسفة ارهابية. وتبكي دولتها المسؤولة في مكان ما، عن ترك الإجرام يسرح ويمرح ويقطن في المشاعات والمساحات الآمنة. تبكي حالها، ثمّ ترفع رأسها عالياً، فخورة...فتصلّي!
الساعة الرابعة من بعد ظهر الاثنين. الوقت لا يزال يمرّ ثقيلاً منذ أن أتى الفجر بظلام وألم. تفاصيل العملية الارهابية التي وقعت عند قرابة الرابعة ودقيقتين، تتكشف تباعاً. تروي السيدة نادين مطر من بلدة القاع لموقع "لبنان24" أن "السكان سمعوا صوت انفجار قريب، ولم يتمكنوا من تحديد هويته في بادئ الأمر لا سيّما وان المنطقة تتعرض بين الحين والآخر لقذائف مصدرها المجموعات الارهابية المتواجدة على الحدود. وعليه سارعوا الى الخروج من منازلهم لمعرفة ما يجري".
على بعد حوالى 25 متراً من منزل السيدة مطر، يقع منزل "إم طلال" المجاور بدوره لمخفر الدرك القديم. كان أفراد العائلة يتسحرون حين شعروا بحركة غريبة في الخارج، فسارع الابن شادي مقلد الى تفقد المكان، حيث وجد أكثر من شخص "غريب". ولدى محاولته استفسارهم عن هويتهم وسبب تواجدهم بالقرب من منزله، رماه أحدهم بقنبلة، فسقط جريحاً.
القنبلة اذاً كانت مصدر الصوت الأول. همّ الجيران بالتوّجه الى المكان لمعرفة ماذا يحصل، وكان أول الواصلين المواطن جورج فارس الذي يستيقظ عادة باكرا كونه يعمل في "المشاريع". فجر الانتحاري الأول نفسه، وبات فارس أول الشهداء..
وبعد وصول عدد من السكان الى المكان، فجر الانتحاري الثاني نفسه فسقط جوزيف ليّوس وفيصل عاد شهيدين، وجرح مروان ليّوس (شقيق جوزيف) وحالته الصحية لا تزال حرجة، كما تقول مطر.
وتضيف:" تمّ ايقاظ المسعف بولس الأحمر من نومه لنقل الجرحى الذين سقطوا جراء التفجير الاول الى المستشفى، وحين وصل فجرّ الانتحاري الثالث نفسه، فحاز بولس وماجد وهبة أيضاً لقب "شهيد". وبعد دقائق معدودة فجر الارهابي الرابع نفسه في محاولة لايقاع أكبر عدد من الضحايا.
وعن سبب توافد السكان الى المكان على الرغم من دوّي الانفجارات، تقول مطر "ان الوضع كان مبهماً ولم يخطر ببال أحد ان ثمة انتحاريين، لا سيّما وان العملية بكاملها جرت في خلال عشرين دقيقة".
وبحسب مطر، لم يُشتبه بأي سيارة "غريبة" في المنطقة. وفي ما خصّ المعلومات التي تتحدث عن ان شابا يدعى مطر مطر تمكن من القاء القبض على انتحاري خامس لدى محاولته الفرار في البرية (الصورة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي)، تقول: "هذا ما يتردد هنا لكننا لا نملك اي معلومات اضافية، علماً ان الشاب (مطر) ابكم".
لكنها بأم عينها كانت قد رأت أحد الأشخاص الذي دهن وجهه بالأسود، وقد ظهرت عليه علامات الخوف والارتباك، ولا تعرف ما اذا كان هو نفسه الذي القي القبض عليه.
واذ لا تزال الامور غير واضحة بالنسبة الى ما اذا كانت منطقة القاع هي المستهدفة ام ان الانتحاريين كانوا يخططون لتفجير انفسهم في مناطق اخرى، يجمع السكان على انهم "فدوا لبنان بأرواح شهدائهم ودماء جرحاهم".
لكنهم في الوقت عينه، ناقمون على الدولة والمعنيين لترك منطقتهم عرضة للمخاطر، وتحديداً لجهة انتشار اللاجئين في "مشاريع القاع"، وقد بات عددهم يفوق سكان المنطقة!
وفي هذا السياق، تطرقت السيدة مطر الى موضوع تعليم الأطفال اللاجئين في مدرسة المنطقة الرسمية او ارسال الأساتذة الى "المشاريع" لتعليم الأطفال هناك، مناشدة وزير التربية التطلّع الى هذا الامر الخطير، "كوننا لا نعلم من هم هؤلاء الأشخاص، واي أذية يمكن ان يلحقوها بنا"، على حدّ تعبيرها.
ولا تنهي السيدة مطر حديثها قبل أن تجهش بالبكاء، والخوف يعتصر الحنجرة والحسرة تخنق الوتر: "ما لنا الا الصلاة. هل اصعب من مشهد خمسة شهداء من خيرة شبابنا سيدفنون غداً؟ انشالله ما حدا بينفجع بقى مثل ما انفجعنا"!
يذكر ان "الإعلام الحربي" افاد بأن "المعلومات الأولية حول التفجيرات الإنتحارية التي وقعت في بلدة القاع تشير إلى أن أربعة انتحاريين كانوا يتواجدون في أحد المنازل عند أطراف بلدة القاع في البقاع الشمالي وقد اشتبه بهم أحد أبناء البلدة من آل مقلد المقيم قرب المنزل عند ساعات الصباح الاولى بعد سماعه حركة مريبة، وعند الحديث معهم ردوا بالتالي: "نحن مخابرات جيش". فلم يصدقهم فحصل تلاسن بين الانتحاريين والمواطن الذي جلب بندقيته وأطلق النار باتجاهم، فقام أحد الانتحاريين بتفجير حزامه الناسف فيما توجه الآخرون إلى وسط البلدة ليفجروا انفسهم وسط عدد من الاشخاص الذين تجمعوا في المكان".