من الضاحية الجنوبية إلى العاصمة بيروت وتحديداً فردان وعرسال فالقاع مؤخراً.. إرهاب لا دين ولا لون ولا طائفة ولا عرق ولا مذهب له، والدماء ما زالت تُستباح. خمسة شهداء كانت حصيلة التفجيرات الـ8 التي ضربت البلدة البقاعية المسيحية، في ظل ذهول شعبي وأمني وعسكري يلف القرية من الحدث الأخطر منذ ثلاثين سنة وأكثر، وخوف من مرحلة جديدة من الإرهاب. هذه التطورات جميعها أدت إلى إعلان رئيس الحكومة تمام سلام في جلسة حكومية استثناية مخصصة للحديث عن أمن البلد أن الحاجة اليوم تستدعي "إستنفار وطني".
أما موقف محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر فكان فرض حظر تجول للنازحين السوريين في القاع ورأس بعلبك، وسط عملية تفتيش واسعة يجريها الجيش في مخيمات النازحين بحثاً عن أسلحة ومطلوبين أدت إلى القبض على 103 سوريين في بعلبك و120 سورياً في مخيم الرحمة للنازحين السوريين في الريحانية، ويبقى السؤال الأجدى طرحه: لماذا بلدة القاع تحديداً وما الهدف من هذه التفجيرات؟
على وقع يوم دموي طويل عاشته بلدة القاع، ماذا تستنتج من هذا التطور الامني الخطير؟ يربط العميد الركن المتقاعد أمين حطيط ما جرى في القاع بالمواجهات التي تجري في سوريا، ويشرح في حديث مع "
لبنان 24": "لم يكن أمراً مفاجئاً أن تستهدف تلك البلدة، في ضوء ما حصل من ترنح للإرهابيين في سوريا، إذ بدأوا حالياً باستعادة الخطة التي اتخذوها في 2014 للدخول إلى لبنان وتفجير الوضع، ووضع اليد على عرسال في ظل تمركز للمسلحين في الجرود".
لماذا "القاع" بالذات؟
ويضيف حطيط: "كان لا بد بعد الهزائم التي مني بها المسلحون في سوريا، ان يبحثوا عن موطئ قدم لهم للانتقام في لبنان للتعويض عن خسائرهم". أما لماذا القاع؟ فيلفت حطيط إلى أنه "باختصار هي المنطقة الوحيدة الممتدة بين بلدة الطفيل وعرسال التي باستطاعتهم أن يخترقوها، إذ أن المناطق التي تقع بين غرب عرسال ورأس بعلبك يحيطها ستار أمني حديدي، ويجري فيها الجيش تدابير أمنية مشددة حيث من الصعب الوصول إليها، لذا تبقى القاع الخيار الوحيد كونها جغرافياً على الحدود من جهة البقاع الشمالي، كما أن القرية المستهدفة هي قرية صغيرة ومسيحية، حيث لا سيطرة سلاح مشدد داخلها، وبالتالي الدخول إليها للتوغل نحو الداخل اللبناني ليس بالأمر الصعب، لكن أهالي القاع أجهضوا هذا المشروع".
كيف نقطع يد الإرهاب عن لبنان؟ يرد حطيط: ثلاث خطوات يمكن أن تخفف عن تداعيات الإنفجارات الإقليمية، وهي: أولاً: تنسيق عسكري مع سوريا لإعادة النازحين السوريين إلى بلادهم، وبالتالي وقف تدفق الإرهابيين المتغلغل بينهم، ثانياً: توافق سياسي على اعطاء أمر رسمي للجيش لمعالجة الإرهاب، ثالثاً: بناء منظومة تحققه ثلاثية الجيش والشعب والمقارمة".
آراء عدة تؤكد أنه لولا تدخل "حزب الله" في سوريا، لكان الوضع أكثر أماناً لأن هذه التفجيرات تأتي رداً على مشاركته في المعارك بسوريا؟ ما رأيك؟ يكتفي حطيط بالرد على السؤال بسؤال آخر: الإرهابيين في العراق، لماذا اقتلعوا من أرضهم وسُبيت نساؤهم؟
القاع ليست الهدف.. بل بيروت
بدوره، يقول العميد الركن المتقاعد الدكتور الباحث في قضايا الإرهاب هشام جابر في حديث مع "
لبنان 24": "أجدد تاكيدي أن القاع ليست الهدف الاساسي، بل أهل البلدة أجهضوا 4 عمليات إرهابية كانت في طريقها إلى بيروت، بحسب الإحتمال الأكبر"، ويضبف: "الضاحية الجنوبية محصنة بتدابير مشددة في هذه المرحلة، عدا عن أن توقيت تواجد المسلحين في الرابعة فجراَ له تفسيره، حيث المسافة بين القاع وبيروت تفصلها ثلاث ساعات، أي ساعة الذروة في بيروت، وإذا ما فشل مخططهم، فالخطة "ب" أن يفجروا أنفسم عند أقرب حاجز للجيش. أما عن التفجيرات المسائية، فيؤكد أنها "للإنتقام من أهل القاع على وقف مخططهم الصباحي".
وفي حين يكشف وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق أن "معظم الانتحاريين قدموا من سوريا وليس من مخيمات النازحين"، يشدد جابر على أن "الانتحاريين لم يأتوا من داخل سوريا ولا من جرود عرسال، بل من مشاريع القاع حيث ينتشر 125 ألف نازح سوري"، مضيفاً: "من السذاجة القول إن لا خلايا نائمة، إذ يوجد بحسب التقديرات، 1500 ارهابي محتمل تواجدهم في التجمعات العشوائية، لذا من الضرورة ضبطهم عبر انشاء مخيمات للنازحين السوريين بشروط صحية ملائمة لأوضاعهم، وأيضاً التخفيف من أعبائهم عبر السماح لهم بالعمل برواتب تدفعها الامم المتحدة، مشدداً على أنه "علينا أن نضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، لأن الايدي الفارغة قد تودي إلى مصائب ومشاكل جنائية".
ويشدد جابر على أن "قطع يد الارهاب صعب في ظل هذه المرحلة الخطيرة"، مشيراً إلى أن "الامر يحتاج إلى التعاون مع المخابرات اللبنانية بجدية من قبل المخابرات الأجنية أي فرنسا وبريطانيا وأميركا، قرار اقليمي ودولي وسياسي لتهدئة الوضع، والاهم تجهيز الجيش اللبناني وتقوية الإمكانات (الهبة السعودية رحلت والإيرانية مرفوضة والروسية يتداخلها معوقات عدة)".
لعلّ النقطة الأخطر حالياً التي يجب الإلتفات لها، هي الصرخة التي أطلقها رئيس بلدية القاع بشير مطر بأن الخوف من تحول القرية إلى مخيم "نهر بارد" أو "عين حلوة" جديدين، في ظل التفلت الامني في المنطقة، فهل يمكن لملمة الوضع حالياً بعدما انتشر الارهايون بين النازحين في كل حي ومنطقة في لبنان، جنوباَ وبقاعاَ وشمالاً وغرباً؟