يتصرف سعد الحريري وكأنه سمكة أخرِجت من مائها وتخشى على نفسها الاختناق. على عدد دقائق الساعة، يتلفّت يمنة ويسرة بحثاً عن بيئة حاضنة تعيد له الطمأنينة وراحة البال. وحدها السراي هي طوق نجاته، أقله هكذا يعتقد. ولذا تراه مستعد لفعل أي شيء ليعود الى تلك التي "لم تدم له".
حين قرر الرجل أن يستقل طائرة الذهاب تاركاً الساحة اللبنانية هرباً من المخاوف الأمنية، كما ذيّل قرار مغادرته، ومن التصحّر المالي الذي لم يعترف بوجوده يومها، لم يخطر بباله ماذا سينتظره فيما لو قرر العودة الى بيت الوسط.
أصلاً في تلك الأيام كان هذا الفريق يضرب مواعيد أسبوعية يحدد فيها ساعة رحيل بشار الأسد، لتكون العودة الى بيروت عن طريق مطار دمشق الدولي! مرت الأشهر تلو الأخرى من دون أن يُحسم الصراع السوري، لا بل زاد الخناق حول سعد الحريري وصار مهدداً، مالياً وشعبياً ونفوذاً...
هكذا، لم يستقل زعيم "تيار المستقبل" طائرة الإياب ليحتفي مع ناسه على الأرض اللبنانية بالنصر، ولم يعد لأنّ تسونامي جماهيري ينتظره على أرض المطار، بل لأنّ الخيارات أمامه باتت محدودة، ولا امكانية للبقاء "على قيد الحياة"، بالمعنى السياسي، إلا اذا وطأت قدماه بيت الوسط دفعاً باتجاه العودة الى رئاسة الحكومة.
لقد بات الرجل مقتنعاً أنّ لا خلاص له من دون الجلوس على كرسي الرئاسة الثالثة. وحدها هي العصا السحرية التي تنقذ تياره من "الموت السريري"، واستطراداً الزعامة الحريرية. ولذا تراه يقدّم التنازل تلو الآخر افساحاً في المجال أمام تسوية لبنانية - لبنانية تأتي برئيس للجمهورية وتعيده الى نادي رؤساء الحكومات.
بهذا المعنى، فتح الباب للجنرال ميشال عون، ومن ثمّ وضع يديه بيدي سليمان فرنجية علّ اخترقاً ما في العلاقات الاقليمية وتحديداً السعودية- الايرانية يسمح بلمّ الشمل اللبناني ويوقف عداد الشلل والشغور.
ومع ذلك، لا تزال ساعة التسوية معطّلة. اقترح الرئيس نبيه بري سلّة عناوين نقاشية يُراد منها صياغة سلة تفاهمات وفق قاعدة المقايضات والتنازلات، ولكن حتى اللحظة يبدو أنّ الاجابات غير جاهزة، لأنّ "تيار المستقبل" لا يريد فتح أبواب الجحيم الكامنة وراء أي تعديل لقانون الانتخابات.
في المقابل، تعتقد قوى الثامن من آذار أنّه كلما ارتفع "شوق" سعد الحريري الى السراي وتالياً حاجته لتمتين زعامته التي صارت مهترئة، كلما صار الرجل أكثر استعداداً لتقديم مزيد من التنازلات.
ثمة من فريقه مقتنع أنّ السير بخيار الجنرال ميشال عون رئيساً هو الذي سينقذه من الغرق في متاهات قانون الانتخابات، غير أنّ هذه المعادلة تحتاج الى موافقة الممكلة العربية السعودية، والتي لا تزال غير متوفرة. أصحاب هذا الرأي يميلون الى الاعتقاد أنّ الذهاب الى المجلس النيابي ووضع اسم ميشال عون في الصندوقة سيعفي تيار المستقبل من أي "أثمان" أخرى وسيقطع الطريق أمام سلّة لها أول ولا آخر لها... وقد يُحرج بالنتيجة "حزب الله" ويدفعه الى تسوية رئاسية فقط.