يداً بيد، رحل أنطونيو وإيليا اسكندر في رحلة أبدية. الشقيقان الطفلان ابتلعتهما بركة اصطناعية للريّ في بتدعي. تفاصيل الفاجعة لم تتأكد نهائياً بعد: هل كانا يسبحان فيها، ام زلّت رجل أحدهما ليقع في هذه البركة المسيّجة ويحاول الآخر إنقاذه؟ (الفرضية الأكثر ترجيحاً) النتيجة واحدة: الموت هذه المرّة كان أكثر غدراً، والمحبة أقوى، فارتفع الصغيران ملاكين...
قبلهما، مات أطفال آخرون...غرقاً. وطالت هذه النهاية المأسوية شباناً ونساء. للأسف، لا يبدو أن الرحيل في المياه، سيجد نهاية في الأفق المنظور، على رغم تراجع نسبة حوادث الغرق في المسابح داخل المنتجعات السياحية بنسبة 60 في المئة مقارنة مع ما كانت عليه منذ أربعة أو خمسة أعوام، بحسب ما يكشفه عضو لجنة الحوادث البحرية في الجمعية اللبنانية للوقاية من الإصابات الرياضية (لاسيب) فادي الحلبي. لكنّ المفارقة أن ثمة "ظاهرة" مستجدة تستفحل في "صياغة" هذه المآسي، وتتمثل بغرق عدد من النازحين السوريين في بحر لبنان وأنهاره وبحيراته، بمعدل شخصين أو ثلاثة كل ثلاثة اشهر!
تحدث حوادث الغرق في كلّ العالم. إنه القدر حين يشاء أن تتحمّل الطبيعة "مسؤولية" الفراق. لكن في لبنان، ثمة مسببات أخرى تحوّل ضحايا "القضاء والقدر" إلى "قتلى"! القانون الذي ينظم عمل المسابح في لبنان، صادرٌ في العام 1970، "وقد ولّى عليه الزمن"، يقول الحلبي في حديث لـ "
لبنان24 "، كاشفاً أن الجمعية كانت قد أعدّت مسوّدة مشروع قانون متطوّر، "لينتهي به المطاف، كالعادة، في الأدراج".
القانون القديم "بسيط" الى حدّ افتقاده أدنى مقوّمات السلامة المطلوبة في عصر التقنيات والمنتجعات البحرية الشاسعة. هذه الأخيرة على سبيل المثال، تأخذ رسوم دخول باهظة من روّادها، وعليه فإن تكاليف التطوير لتعزيز السلامة العامة لن تكون بمثابة "نقطة مياه" في محيط ثرواتها. بحسب الحلبي، تشمل المعايير أن يكون بلاط المسابح مزركشاً منعاً للإنزلاق. وأن تخصصّ غرفة معزولة لإمدادات الكهرباء بعيداً من المياه. أن تكون كمية الكلور محدودة ومدروسة، وأن يتمّ تغيير المياه بكشل دوريّ كلّ يومين. أن يخضع كل فريق العمل، بما فيه الطباخ والنادل والحارس لدورة اسعافات أولية، وأن تخصص غرفة لمعدات الاسعاف. وطبعاً أن يتواجد عدد كاف من المنقذين الحائزين شهادة مصدقة من وزارة السياحة، بمعدل منقذ لكلّ ستة أمتار من المسبح.
المشكلة الأكبر لا تكمن في تغييب هذه الاجراءات وحسب، بل في "إضافات" تنسف معايير السلامة العامة. كأن يقام "بار" في داخل المسبح حيث يأكل الروّاد ويشربون وهم في المياه. هذا الأمر بحسب الحلبي خطير اذ ثمة احتمال أن يتأذى الأشخاص في حال سبحوا بعد الأكل أو أن يفقدوا القدرة على السباحة تحت تأثير الكحول.
ويشددّ الحلبي على دور الأهل الأساسي في أثناء تواجدهم مع أطفالهم في المسابح والبحر والأنهار: "ممنوع ترك الأطفال بمفردهم، حتى لو كانوا يتواجدون في المسبح المخصص للصغار، أو كانوا يضعون العوامات البحرية (Bouée). لنترك رجاء "النراجيل" ولنبق الى جانب أولادنا في هذا النهار، فالطفل قد يغرق فعلاً في "شبر مياه"، وبصمت، كونه لا يجيد التصرّف في حال حصل له مكروه. ثمّ أن "اللعبة التقليدية" التي كنا جميعاً نمارسها في المسابح، متنافسين على من يبقي رأسه في المياه مدة أطول، يجب أن تُمنع منعاً باتاً، ذلك انها تسبب في ارتفاع نسبة الـ CO2 وفقداننا للوعي، وبالتالي الغرق". ويدعو الحلبي ايضاً الى تبليل رؤوس الأطفال بالمياه باستمرار تفادياً لـ "ضربة الشمس"، والإكثار من شرب المياه. وإذا يشير الى أن الطفل قد ينسى السباحة حتى لو كان يتقنها في العام المنصرم، يشددّ على ضرورة "اختبار قدراتهم في كل موسم". وعلى عكس المعتقدات السائدة والخاطئة، لا يجب رمي الأطفال في المياه باعتبارها طريقة صحيحة و"قسرية" لتعليمهم السباحة، اذ قد يصابون برهاب المياه، عدا عن المخاطر المحتملة جرّاء هذا الأمر. ولكن نعم، يمكن البدء بتعليم الطفل على السباحة منذ أشهره الأولى، انما بطريقة علمية وصحيحة، وعلى أيدي اختصاصيين.
خطر الشك!
أما في البحر، فالموضوع يبدو أكثر تعقيداً. ثمة أمكنة غير مصنفة على أنها "مسابح شعبية" يختارها الأشخاص للسباحة، وبالتالي فهي تفتقد الى منقذين ومسعفين. أصلاً، الشواطئ العامة المجانيّة تكاد تخلو منهم. على سبيل المثال، محلة الرملة البيضا التي تستوجب وجود أكثر من عشرة منقذين بسبب كثافة الروّاد، لا "يحرسها" سوى اثنين أو ثلاثة أمّنتهم احدى الجمعيات، بحسب الحلبي. ومن المعروف أن وزارات السياحة والأشغال والداخلية (البلديات) تضطلع بأدوار الرقابة وتأمين السلامة العامة. لكن ايضاً وأيضاً نعود الى القانون القديم الذي لا يلحظ عدد المنقذين وكيفية عملهم. وفي هذا الإطار يشير الحلبي الى سقوط عدد من الضحايا جرّاء الشكّ عن المرتفعات، علماً أن ثمة قرارا إداريا كان قد صدر عن وزير الداخلية الأسبق زياد بارود يمنع بموجبه الشكّ، "لكنّ واقع الحال اليوم أن لا رادع قمعي قويّ بفعل غياب القانون".
والسباحة في البحر تتطلب وعياً وحسن تصرّف من قبل الأشخاص، حتى في حال وجود منقذين. لا يخفي الحلبي أنه من بعض اسباب غرق النازحين السوريين في البحر هو "تماديهم في الاستعراض ومبالغتهم في تحدي الطبيعة، بالاضافة الى عدم معرفتهم بطبيعة البحر وعدم قدرتهم على الدخول الى المنتجعات البحرية بسب غلائها". ومع هذا، فإن بحرنا "مسالم". توصيفٌ مجازي للقول بأن لا "حيوانات شرسة تبتلع السابحين ولا دوّامات تسحبهم الى القعر. جلّ ما في الأمر أنه بنتيجة رياح قويّة آتية عبر الموج وحملها للمياه وبعض الرمول، تكوّن التيارات البحرية ما يشبه النفق حيث تكون المياه قوية، فتسحب معها السابح مسافة ليست بكبيرة (100 متر). وعليه، يجب ألا يقاوم الشخص هذا التيار، بل أن يجاريه ويسبح بمحاذاة الشاطئ الى حين العودة، من دون أن يخاف أو أن يتشنّج"، يقول الحلبي.
ولكن اذا كان بحرنا "غير مفترس" بطبيعته، فإن جشع البعض المدعوم سياسياً، يجعله وحشاً قد يبتلع روّاده في اي لحظة. إنها قضية شفط الرمول التي تغيّر في طبيعة البحر مكوّنة حفراً عميقة. انها جريمة بيئية موصوفة، يقول الحلبي.
السباحة في الأنهر مميتة!
بالنسبة إلى الأنهر، فإن الخطورة تكبر أيضاً. هنا، تساعد المياه الحلوة على الغرق. يقرّ الحلبي بأنه من المستحيل تخصيص منقذين على امتداد الأنهار، لكن ما المانع من توزيعهم على الأماكن التي يرتادها الناس؟! ويرى أن البلديات هي قوّة فعلية على الأرض، ولذلك بمقدورها أن تساهم في الحلول واجراءات السلامة عبر اشتراط توظيف منقذ تحت مسؤولية عدم اعطاء ترخيص للمنتزه. وبطبيعة الحال، على الأشخاص التحليّ بالوعي في حال قرروا السباحة في النهر، لا سيّما وأن المياه الجارية تكون قويّة، وقد تجرف معها الصخور وما شابه.
أما البرك الاصطناعية، فليست مخصصة للسباحة، يقول الحلبي، داعياً في ختام حديثه الى التحلّي بالوعي والمسؤولية في كلّ الأمكنة المائية، "لأن الموت غرقاً صعب وبشع جداً".
يذكر ان المديرية العامة لقوى الامن الداخلي تنظم حملة توعية تحت عنوان "تسبح عخير" تدعو عبرها المواطنين الى توخي الحذر أثناء السباحة والعمل بالنصائح والإرشادات التالية:
- يجب على الأولاد أن يكونوا دائما برفقة أشخاص راشدين.
- عدم ترك الطفل يسبح أو يلعب بالمياه بمفرده ومن دون مراقبة.
- منع الاولاد من الركض حول أحواض السباحة والقفز في الجهة العميقة منها.
- عدم إستعمال العوامات الهوائية من قبل الأطفال في مياه عميقة خوفا من تعرضهم للإنجراف بالتيار.
- إرتداء السترة المخصصة للسباحة وبخاصة الذين لا يحسنونها ولا سيما الأطفال، وفي اثناء قيادة الـ"JET SKI".
- عدم النزول مباشرة الى المياه بعد تناول الطعام.
- عدم تناول الكحول والنزول الى المياه للسباحة أو لأي رياضة اخرى: غطس، ركوب الزوارق.
- ممارسة السباحة في ضمن حدود القدرة.
- اختر مكان السباحة حيث يتواجد رجال الإنقاذ وتأكد من أنك على مسافة تسمح لهم برؤيتك.
- عدم السباحة في برك الري.
- عدم السباحة منفردا، ولا سيما اذا كنت تعاني من حالة مرضية مثل الصرع، الربو، السكري أو مرض القلب، فحاول أن تسبح برفقة صديق، أو أبلغ عامل الإنقاذ حتى يكون جاهزا في حال حدوث طارئ.
- عدم السباحة ليلا في البحر.
- النزول الى الماء نزولا تدريجيا كي لا يؤدي الإصطدام بالمياه إلى الإصابة بصدمة عصبية.
- تجنب ارتداء ملابس غير مناسبة للسباحة وذلك لأسباب السلامة والصحة العامة، ولاسيما عدم السباحة باللباس الكامل.
- عدم السباحة في الاحواض في حال الاصابة بداء الربو (الكلور يسبب مضاعفات في الجهاز التنفسي).
- عدم السباحة في اثناء وجود تيارات هوائية قوية.
- عدم مضغ العلكة في أثناء السباحة كونها تعرض لمخاطر إبتلاع المياه وإقفال المجاري التنفسية.
- اذا صودف أن شاهدت شخصا يعاني مشكلة، فاطلب المساعدة فورا.
- استمع لعامل الإنقاذ، وتذكر ان لحظة تصرف طائش قد تودي بحياتك".