في انتظار انقضاء مهلة الاثنتين وسبعين ساعة التي تمّ تخصيصها للتهدئة على جبهات القتال في سائر أنحاء سوريا بمناسبة عيد الفطر المبارك، كان لا بدّ للاتّصالات السياسيّة من أن تتكثّف بين قادة الدول الأكثر تأثيرًا في الوقت الراهن على الساحة السوريّة، وخصوصًا روسيا والولايات المتّحدة الأميركيّة وتركيا، سعيًا إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة من مختلف جوانبها وآفاقها وأبعادها الاستراتيجيّة، وخصوصًا في ظلّ الحديث الذي كثر في الآونة الأخيرة عن أنّ اكتمال شروط وضع القطار السوريّ على سكّة التسوية المنشودة بشكلٍ نهائيٍّ، يحتاج أوّلًا إلى الدخول في عدّة جولات قتاليّة حاسمة، وعلى عدّة محاور، بغية توفير الأجواء الميدانيّة المناسبة للوصول بهذا القطار إلى محطّته الآمنة.
وإذا كان الرئيس السوريّ بشّار الأسد قد وجد في هذه التطوّرات المستجدّة فرصة سانحة تؤهّله لأداء صلاة العيد في مسجد الصفا الواقع في حيّ عكرمة في مدينة حمص، وبالتالي لإيصال رسالة إلى من يهمّه الأمر مفادها أنّه مطمئنّ إلى حاضره ومستقبله أكثر من أيّ وقتٍ مضى من عمر الأزمة في بلاده، فإنّ المداولات التي جرت خلال المكالمتين الهاتفيّتين اللتين أجراهما الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين يوم أمس الأربعاء مع كلٍّ من نظيريْه الأميركيّ باراك أوباما والتركيّ رجب طيّب أردوغان، والتي كان ملفّ الأزمة السوريّة الحاضر الأكبر والأبرز فيها، عكست من الدلالات ما يكفي للتأكيد على أنّ جولات الحسم آتيةٌ بعد العيد لا محالة.
ولعلّ المؤشّر الأهمّ الذي ظهر على خطّ موسكو – واشنطن، تمثّل في أنّ النقطة الأساسيّة التي أثارها بوتين مع أوباما، تمحورت على دعوته إلى الإسهام في الإسراع في حثّ المعارضة السوريّة المعتدلة على الابتعاد عن مواقع جبهة "النصرة" والمتطرّفين الآخرين الذين لا ينطبق عليهم نظام الهدنة، الأمر الذي عكس على إيقاعه رغبة القيادة الروسيّة في المحافظة على أعلى درجات الدقّة في التصويب خلال غاراتها المرتقبة المقبلة، توخيًّا للدقّة لا أكثر ولا أقلّ، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الروس غالبًا ما كانوا يشتكون من عدم جدّيّة الأميركيّين في الالتزام بتنفيذ آليّة التعاون المشترك بين البلدين في مجال الحرب على الإرهاب.
النوايا الصافية!
ووفقًا لمصدر عسكريّ مقرّب من وزارة الدفاع في موسكو، فإنّ القيادة الروسيّة التي اعتادت على أن تقدّم للولايات المتّحدة باستمرار "كلّ ما يتوافّر لديها من إحداثيّات عن مواقع الجماعات الإرهابيّة في العراق بنيّة صافية، لم تُعامَل بالمثل في أيّ وقت من الأوقات من قِبل القيادة الأميركيّة في ما يخصّ الإحداثيّات التي تتوافّر لديها عن مواقع الجماعات نفسها في سوريا". والأنكى من ذلك هو أنّ واشنطن، غالبًا ما كانت تروّج لحملاتٍ إعلاميّةٍ مفادها أنّ المقاتلاتِ الروسيّةَ تستهدف في عمليّات القصف مواقع المعارضة المعتدلة، الأمر الذي يدلّ بحسب المصدر نفسه على أنّ "نيّة الأميركيّين ليست صافية".
من هذا المنطلق، جاء تأكيد الرئيسين بوتين وأوباما على استعدادهما لزيادة التنسيق بين بلديهما في المجال العسكريّ ليشكّل خطوة في الاتّجاه الصحيح، علمًا أنّ ثمّة تلميحاتٍ أشارت في هذا السياق إلى أنّ الرئيس الأميركيّ، وعلى رغم أنّه أوشك على طيّ الصفحة الأخيرة من ملفّ سيرته الذاتيّة في البيت الأبيض، وجد نفسه مضطرًا لمسايرة الرئيس الروسيّ على قاعدة "مجبرٌ أخاك لا بطل"، وخصوصًا في هذه الأجواء الملبّدة الناجمة عن عاصفة تقرير جون شيلكوت حول غزو العراق، وما يُشاع عن احتمالات عبور هذه العاصفة من بريطانيا إلى الضفّة الأخرى من المحيط الأطلسيّ، لتصل إلى الولايات المتّحدة على شاكلة إعصارٍ بكلّ ما في الكلمة من معنى، ومن شأن أضراره أن لا تقتصر على اقتلاع جذور الرواية الرسميّة الأميركيّة بخصوص كذبة أسلحة الدمار الشامل في العراق وحسب، وإنّما قد تصل إلى جذور روايات رسميّة أخرى!
أمّا بالنسبة إلى خطّ موسكو – أنقرة، وعلاوة على أنّ المكالمة الهاتفيّة التي استغرقت أربعين دقيقة بين الرئيسين بوتين وأردوغان كانت "مثمرة وإيجابيّة للغاية"، وفقًا لما نقلته مصادرُ مقرّبةٌ من الرئيس التركيّ، فإنّ ما كان لافتًا على هامش توقيتها هو أنّها تزامنت مع التصريحات التي أدلى بها نائب الأمين العامّ للأمم المتّحدة ورئيس اللجنة الأمميّة لمكافحة الإرهاب جون بول لابورد، والتي جاء فيها أنّ المؤشّرات على الهزيمة المرتقبة لتنظيم "داعش" في سوريا والعراق، بدأت بالظهور من خلال قيام قيادة التنظيم بتشجيع المقاتلين الأجانب الذين ينضوون تحت لوائه، وعددهم نحو ثلاثين ألفًا، على العودة إلى دولهم الأصليّة في أوروبا وتونس والمغرب، تمهيدًا لتنفيذ عمليّاتٍ إرهابيّةٍ هناك.
تصريحاتٌ، وعلى رغم عدم وجود تأكيداتٍ روسيّةٍ أو تركيّةٍ حول ما إذا كان الرئيسان بوتين وأردوغان قد تطرّقا إليها أم لا، فإنّها ستستوجب حتمًا تكثيف الاتّصالات بين الجانبين على المدى القريب، بما يضمن تنسيق جهودهما المشتركة في مختلف المجالات العسكريّة والأمنيّة والاستخباراتيّة، ولا سيّما أنّ مسألة وضع الحدود التركيّة تحت السيطرة المُحكَمة، في مواجهة الإرهابيّين الذين يعتزمون الفرار، لا بدّ وأن تشكّل بيضة القبّان في ميزان قياس حجم الخسارة المرتقبة لهؤلاء الإرهابيّين، وما إذا كانوا سيتكبّدون هزيمة نكراء أم إنّهم سينكفئون، ولو إلى حين.. وإنّ غدًا لناظره قريب.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)