يُحكى أنه في زمن الإحتلال العثماني للبنان، يوم كانت سياسة "سفر برلك" هي السائدة مع كل ما تعنيه هذه السياسة من تشغيل الناس بـ"السخرة" وبقوة الكرباج، وفي زمن المجاعة، حيث كان اللبنانيون يضطرون للتفتيش عن بقايا شعير في زبل الخيل التركي لكي يقتاتوا ويبعدوا عنهم شبح الموت جوعاً، أن الأتراك كانوا ينقلون شوالات القمح بالأطنان برّاً ومن دون حراسة تذكر في طول البلاد وعرضها من دون أن يجروء لبناني واحد على تنظيم هجوم للإستيلاء على القمح لإطعام عياله. فمات من مات جوعاً وسقط من سقط في "سفر برلك" من كثرة الأعمال الشاقة، وكان مصير من حاول الآنقلاب على هذا الواقع المزري اعواد المشانق.
هذه القصة وما فيها من عبر لا تزال ماثلة امامنا ولا تزال الروحية نفسها متحكمة بنا في كل مفاصل حياتنا، إذ لم نشهد حركة انقلابية واحدة على الواقع الذي نعيشه، نحن اللبنانيين، منذ أن نلنا استقلالنا، مع أن ثمة ألف سبب وسبب تجعلنا ننتفض ونقلب الطاولة على رؤوس جميع الذين يخطفون رئاسة الجمهورية، ويمنعون الدولة من أن تقف على رجليها، ويحولون دون انتظام الحياة السياسية ويشّلون حركتها ويربطون مصالح الشعب بمصالح الخارج، من دون أن يحسبوا حساباً لما يمكن أن يؤسس لدولة عصرية، بعيداً عن المحاصصة الطائفية، وبعيداً عن الزبائنية البغيضة، وبعيداً عن منطق "حكلي تحكلك" و"مرقلي تمرلقك".
ولأن بعض الشباب المتحمس قرروا أن يثوروا على هذا الواقع المرير، وتنادوا في حركة مدنية لكي يغيروا ما في هذا الواقع من خنوع واستسلام، قامت القيامة في وجههم ولم تقعد، وحاول أهل السياسة وأد هذه الحركة في مهدها، وحالوا دون تحقيق أهدافها الإصلاحية، في محاولة منهم لحماية مواقعهم السلطوية.
بالطبع لسنا من دعاة الإنقلابات العسكرية الدموية، وقد سئم اللبنانيون ويلات ما خلفته الحروب التي تركت وراءها المآسي والكثير من الجراحات والدمّ والدموع، بل نطالب بإنقلاب على الذات، وبالخروج من قمم التسليم بالأمر الواقع، والإستسلام لمنطق "ما فينا نعمل شي"، فيكون بذلك أداؤنا أسوأ من أدائهم، ونكون مساهمين أكثر من السياسيين في تسمير الوطن على خشبة الموت السريري، ونكون أول من يرفع الحجارة من أمام دواليب عجلة الدولة السائرة إنحداراً نحو الهاوية.
فمتى يحين موعد هذا الإنقلاب غير الفاشل على الذات فنحقق ما لم نستطيع تحقيقه على مدى عقود، فيصبح لدينا رئيس للجمهورية، التي يخشى مع هذا الغياب أن تطير الجمهورية، ونتفق على قانون عصري للإنتخابات النيابية يتأمن من خلاله وصول إلى البرلمان من يستحق عن جدارة وكالة الشعب للدفاع عن مصالحه، وتقرّ موازنة عامة تعيد إلى مؤسسات الرقابة المالية دورها المغيّب، ويفرج عن المراسيم التنظيمية للتنقيب عن النفط، الذي من شأنه وحده أن ينتشل لبنان من المديونية العامة التي شارفت عتبات المئة مليار دولار، وتعاد سلطة الهيئات الرقابية فلا يعود السياسة هي التي تتحكم بمفاصل الإدارة العامة؟