إذا كان توقيت إعلان منظّر الحركة "الأوراسيّة الجديدة" البروفسور ألكسندر دوغين عن إيمانه بأنّ "ثمّة فجرًا جديدًا أصبح على وشك الانبثاق في تاريخ العلاقات الروسيّة – التركيّة" قد جاء قبل حدوث محاولة الانقلاب الأخيرة على إدارة الرئيس رجب طيّب أردوغان بأقلّ من ثمانٍ وأربعين ساعة فقط، فإنّ سبحة التطوّرات المتسارعة على هذا الصعيد، خلال مرحلة ما بعد المحاولة الفاشلة، لا تزال تُظهر المؤشّر تلو الآخر، ويومًا بعد يوم، على أنّ القيادتين السياسيّتين في كلٍّ من موسكو وأنقرة، عقدتا العزم على المضيّ قدمًا في اتّجاه الارتقاء بعلاقاتهما نحو الأفضل، الأمر الذي تجلّى بوضوحٍ من خلال ما رشح عن فحوى المكالمة الهاتفيّة التي جرت نهار السبت الماضي بين الرئيسين الروسيّ والتركيّ، وخصوصًا من جهة اتّفاقهما على استباق موعد اللقاء الذي كان مقرّرًا بينهما، على هامش فعاليّات قمّة "مجموعة العشرين" التي ستُعقد في الصين يوميْ الرابع والخامس من أيلول المقبل، بلقاءٍ سيتمّ "في وقتٍ قريب"، حسب ما ورد في البيان الصادر عن قصر الكرملين بهذا الخصوص.
لا شكّ في أنّ تجلّيات ما عبّر عنه البروفسور دوغين أثناء مشاركته في الاجتماع الأخير لـ "منظّمة الاتّحاد الأوراسيّ للحكومات المحلّيّة" الذي عقد في أنقرة الأسبوع الماضي، لا تقتصر على المسائل ذات الأبعاد السياسيّة وحسب، بل تشتمل على الأبعاد الاستراتيجيّة أيضًا، ولا سيّما إذا وضعنا في الحسبان أنّ هذا الرجل القادم إلى عالم السياسة من حديقة الفكر والثقافة، يوصَف في روسيا بأنّه "دماغ" الرئيس فلاديمير بوتين و"منظّر" سياساته الخارجيّة، علاوة على أنّه يتحدّث تسع لغات، وحائزٌ على درجتيْ دكتوراه، إحداهما في تاريخ العلم والأخرى في العلوم السياسيّة، وألّف عشرات الكتب التي تدور في فلك تقاطع الفكر مع السياسة من خلال تجديد نظريّة "الأوراسيّة"، وذلك على قاعدة الإيمان بأنّ المعركة بين روسيا والغرب هي صراع ملحميّ مع المادّيّة الأميركيّة، وبأنّه في مرحلة ما من هذا الصراع سيتمّ تدمير "الإمبراطوريّة الأميركيّة".
ووفقًا لهذه الرؤية، يقول دوغين في محور نظريّته الجيوسياسيّة إنّ مهمّة روسيا تتمثّل في تحدّي هيمنة الولايات المتحدة على العالم، ويدعو إلى تعبئة شعوب الدول الأوراسيّة تحت قيادةٍ روسيّة، بما فيها جمهوريّات الاتّحاد السوفييتيّ السابق وألمانيا وأوروبا الوسطى والشرقيّة، للانفتاح على كلٍّ من تركيا وإيران، من أجل إقامة ما يسمّيه بـ "التحالف الطبيعيّ" مع الإسلام، بغية ضمان وصول الروس إلى موانئ المياه الدافئة. كما يقدِّم دوغين فكرةَ "الأمبراطوريّة الأوراسيّة" باعتبار أنّ تأسيسها يمكن أن يتمّ عن طريق تعزيز القوّة الجيوسياسيّة الروسيّة، وذلك عبر تحقيق التكامل بين المحاور البرّيّة في العالم، بقيادةٍ روسيّةٍ أيضًا، ضمن نطاق المساحات الجغرافيّة لثلاثةِ أحزمةٍ هي: الحزام الأورو – أفريقيّ، والحزام الأوراسيّ، والحزام الباسيفيكيّ، الأمر الذي يمكن أن يُبنى عليه الأمل في الحدّ من هيمنة أحاديّة القطب الأميركيّ، ويأتي بالتالي استكمالًا لثوابت الدعوة التي كان الرئيس بوتين قد أطلقها لدى انتخابه، للمرّة الأولى، في شهر آذار عام 2000، عندما قال "إنّ روسيا ما زالت تمتلك الكثير من عناصر القوّة، وهي ترغب في استعمالها مع الآخرين، وليس ضدّهم، من أجل بناء عالمٍ متعدّدِ الأقطاب".
الصدام الجيوبوليتكيّ
على هذا الأساس، وطالما أنّ دوغين يشدّد في نظريّته على أنّ الشرق الأوسط سيكون نقطة صدامٍ جيوبوليتيكيّ مع الولايات المتحدة، تمامًا مثلما يشدّد على أنّ انتصار روسيا فيه يجب أن يكون حتميًّا، يصبح من السهل إدراك أسباب حالة الارتياب التي راحت تخيّم على الأجواء الأميركيّة، بشكلٍ تدريجيٍّ ومتصاعدٍ، منذ إتمام المصالحة بين موسكو وأنقرة بخصوص حادثة قيام المقاتلات التركيّة بإسقاط قاذفة السوخوي الروسيّة قرب الحدود السوريّة في الرابع والعشرين من تشرين الثاني العام الماضي، ولغاية اليوم، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ أكثر ما أثار قلق الولايات المتّحدة، كان قد تجلّى في الأصل على خلفيّة تزامن هذه المصالحة مع حدوث تقاربٍ غيرِ مسبوقٍ في العلاقات بين موسكو وتل أبيب من جهة، وكذلك مع إعادة المياه إلى مجاريها بين أنقرة وتل أبيب من جهة ثانية، وبمباركةٍ روسيّة.
قلقٌ.. وإن كانت أسبابه تتعلّق بما أصبح لدى اللاعب الروسيّ من قدراتٍ تؤهّله للتأثير بفاعليّةٍ، وعن جدارةٍ، في اثنين من أهمّ المجالات الحيويّة الأميركيّة في الشرق الأوسط، أي تركيا وإسرائيل، فإنّ لهجة التحذيرات التي جاءت على لسان وزير الخارجيّة الأميركيّ جون كيري يوم أمس بخصوص احتمال سحب عضويّة تركيا من حلف شماليّ الأطلسيّ، أوحت بأنّ الأمر لم يعد مجرّد قلق وحسب، بل وصل إلى حدّ الغضب الشديد.
وعلى رغم أنّ المسوّغات التي استندت إليها تحذيرات كيري، ومن بعده انتقادات المسؤولة عن الشؤون الخارجيّة والأمن في الاتّحاد الأوروبيّ فريدريكا موغيريني، اقتصرت على التمحور في نطاق اتّهام إدارة الرئيس أردوغان بالقيام بممارساتٍ انتقاميّةٍ ضدّ المتورّطين في محاولة الانقلاب الفاشلة ليل الجمعة الماضي، فإنّ هواجس الارتصاف الروسيّ – التركيّ – الاسرائيليّ الجديد لا بدّ وأنّها تنتاب الأميركيّين والأوروبيّين على حدٍّ سواء، أكثر بكثيرٍ من هواجس انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، الأمر الذي يعزّز بكلّ تأكيدٍ نظريّة ألكسندر دوغين بخصوص احتمالات وقوع الصدام الجيوبوليتكيّ المرتقب في منطقة الشرق الأوسط، تمامًا مثلما تتعزّز فرص روسيا في الربح بهذا الصدام، إذا ما وقع بالفعل، يومًا بعد يوم.. وثمّة من يتحدّث في هذا السياق عن إشاراتٍ مفادها أنّ اللقاء المقبل بين الرئيسين بوتين وأردوغان يمكن أن يؤدّي إلى الإعلان عن تحويل البحر الأسود إلى بحيرةٍ أوراسيّة، وهو ما قد يشكّل ضربة موجعة بالتأكيد للأسرة الأطلسيّة بأكملها، ويفتح بالتالي باب الصدام على جميع الاحتمالات.. وإنّ غدًا لناظره قريب"!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)