منذ العام 2005 ولبنان من دون موازنة. هو أمر مستغرب ومستهجن، إذ لا أحد يعرف كيف تصرف الإعتمادات ولا كيف تتم صفقات عقد النفقات في الوزارات والإدارات العامة، إلاّ إذا كانت القاعدة الإثنتي عشرية هي التي لا تزال تسيّر شؤون البلد منذ أحد عشر عاماً على التوالي، مع اللجوء إلى مخرج الصرف على أساس احتياطي الموازنة. وفي ذلك أكثر من علامة استفهام وتعجب.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو من المستفيد بألاّ يكون للدولة موازنة عامة، ولماذا توضع تلك الموازنات كل سنة من قبل وزارة المالية وتدرس من قبل الحكومات المتعاقبة وتحّول إلى لجنة المال والموازنة التي تشبعها درساً وتدقيقاً وتحّولها بدورها إلى اللجان المشتركة، التي تنكب هي ايضاً على تمحيصها وغربلتها، وتحيلها في كل مرّة إلى الهيئة العامة، ولكنها لا تقرها ويبقى البلد من دون موازنة.
فهل القصة هي قصة رمانة أم قلوب مليانة؟
على ما يبدو أن اصل الحكاية هي تلك القلوب المليانة حسابات، إذ لا موازنة ولا من يزينون إذا لم يصر إلى تجميد المادة 87 من الدستور، ويتعهد الجميع بالالتزام بما يسمى بقطع الحسابات عن السنوات الماضية، وهي حسابات على ما يبدو لم تكن تخضع للرقابة لا المسبقة ولا اللاحقة، حيث كانت الإعتمادات تُصرف عشوائياً وحتى من دون قيود مالية.
وهل صحيح أن الحديث عن موازنة مرتقبة هي من باب ذرّ الرماد في العيون أم أن هناك نية صادقة في السير بها حتى النهاية، علماً أن موازنة العام 2017 لم تبصر النور بعد، كما كان يحصل في الأعوام الماضية، وهو أقل الإيمان لناحية قيام وزارة المالية بواجبها المبدئي، وإن كان سيلقى مصيرها نفس مصير سابقاتها؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير هي برسم السلطتين التنفيذية، التي من واجبها إعداد الموازنة، وبرسم السلطة التشريعية، المفترض بها أن تناقش هذه الموازنة وتعدّل فيها ما تراه ضرورياً ومنسجماً مع سياسة التقشف الواجب اتباعها، خصوصاً بعدما تضاعفت ارقام المديونية العامة في السنوات الخمس الأخيرة لتصل إلى 71 مليار دولار أميركي.
وقد يكون إقرار موازنة عامة اليوم قبل الغد ملحّاً أكثر من أي وقت مضى، نظراً إلى أن البلاد تسير إنحداراً بسرعة الصوت، وبالأخصّ أن طاسة المسؤولية ضائعة، ولا يبدو أن أحداً على استعداد لتحريك ملف رئاسة الجمهورية، مع إعتراف الجميع بأن انتخاب رئيس جديد للجمهورية هو مفتاح سائر الحلول المجمّدة، مع التشديد على إعادة صلاحية حلّ مجلس النواب إلى الرئيس العتيد، في حال تمنع المجلس من إقرار الموازنة العامة، وذلك تدليلاً على أهمية هذه الخطوة، التي من شأنها أن توقف التسيّب المالي، مع إقرار خطوات إجرائية تحدّ من تفشي الفساد وتفرمل الهدر وسرقة المال العام... وإلاّ فخراب البصرة.