بالمفهوم التجاري العام فإن مبدأ الـDUTY FREE يعني أن البضائع المعروضة لا تخضع إلاّ لمعايير العرض والطلب، من دون أي محاذير أو محظورات تُفرض على هذه البضائع، ولذلك أُطلقت عليها هذه التسمية تدليلاً على حرية العرض في سوق مفتوحة، وبأسعار تنافسية وغير مشمولة بالضرائب التي تتبع خارج هذه السوق.
ولأن اللبناني تستهويه التجارة، وهو في الأساس يتحدّر من أصول شعب لم يرَ أمامه سوى البحر لتسويق ما ينتجه، وكان الحرف الأبجدي أحد المنتجات الفكرية التي صدّرها إلى الخارج، إرتأى أن يحّول البلاد بطولها وعرضها DUTY FREE سياسي، مع ما يعنيه ذلك من فوضى بكل ما لهذه الكلمة من معانٍ، بحيث لم يعد المرء يعرف كوعه من بوعه، واختلط حابل الإستحقاقات بنابل المصالح، فضاعت "طاسة" المسؤولية، التي يحلو للبعض تسميتها كرة نار يتم تبادل تقاذفها بين يسار ويمين، وإن كان مفهومهما وفق القاموس اللبناني مغايراً لما هو متعارف عليها بالمقاييس العالمية.
ولمن يعترض على هذه التسمية نسأل: ألم يوصف وطن الأرز بـ"المزرعة" وبـ"جمهورية الموز"، وبأن الحياة فيه شبيهة بشريعة الغاب، حيث الغلبة دائماً للقوي والمستقوي والخارج على القانون، الذي يطيح بكل شيء ويستبيح المحظورات ويعتبر التحايل على القوانين والتهرب من دفع الضرائب والالتزام بالحدّ الأدنى من الأخلاق ضرباً من ضروب الشطارة؟
وعلى رغم كل ذلك، وإذا لم يكن هذا البلد الصغير بحجمه والكبير بتناقضاته بالفعل يشبه كل شيء إلاَ بلداً يسعى أبناؤه إلى تطوير المواطنة على حساب الطوأفة والمذهبة، ولا يتركوا الخارج يقرر عنهم في مسائل مهمة وحساسة، كأنتخاب رئيس للجمهورية مثلاً أو النأي بالنفس عما يجري حولنا من تطورات دراماتيكية، قد تحرق الأخضر واليابس في حال امتدّت النيران إلى حديقته الداخلية، فماذا يشبه، وبماذا يمكن أن نصفه أو نطلق عليه الألقاب؟ وهذا الأمر يفسّر نفسه بنفسه، إذ كيف يمكن استيعاب أن اللبنانيين لم يتفقوا بعد على انتخاب رئيس لجمهوريتهم، وهم يعرفون ما لهذا المركز من أهمية وطنية على مستقبل الجمهورية بحدّ ذاتها. والأنكى من كل ذلك أنه لا يخلو تصريح من تصريحات السياسيين، سواء من هم في الصفّ الأول وزاري أو النيابي، أو في صف الراسبين في امتحانات القبول في مدرسة "المشاغبين"، من المطالبة بانتخاب رئيس للجمهورية اليوم قبل الغد، والأمس قبل اليوم، وفي الوقت ذاته لا يبادرون إلى بلّ ريق اللبنانيين ولو بنقطة أمل وتفاؤل بامكانية العيش في وطن متعدد الأسماء والنعوت والألقاب.