تنطلق القمة العربية في دورتها 27 المنعقدة في موريتانيا، والعالم العربي يسجل مزيدا من الأرقام القياسية السلبية، فإلى المخاطر والتحديات "التقليدية" التي تواجه أمنه الإقليمي والوطني، حقق العرب الرقم القياسي في ضحايا الحروب الأهلية، وفي اللاجئين هرباً من جحيم بلدانهم، وفي أعداد الانتحاريين عبثاً وفي أعداد السيارات المفخخة، والبراميل المتفجرة، وفي الأمية والبطالة والفقر وغياب كل أفق وأمل.
كثيرة هي القضايا والملفات والتحديات والمخاطر التي يواجهها العرب جميعاً، لكن تبقى قضية تصدع الدول وتشظي المجتمعات الوطنية باعتبارها أهمَّ المشكلات التي يواجهونها، فالمأساة السورية التي تتوالى وقائع القتل والتهجير والحصار والتجويع في جنباتها منذ أكثر من 4 سنوات، فاقت حتى أسوأ الكوابيس، وهناك الحرب العراقية، فبعد الاحتلال سيّء الذكر وتفكيك بنية الدولة، تعاني بلاد الرافدين من حرب ظاهرها مكافحة أخطار "داعش" وباطنها مصير أسودٌ مجهول للعراق دولة ومجتمعاً ومكونات، وهناك القضية الليبية والقضية اليمنية والقضية اللبنانية حيث دولة مقطوعة الرأس ومؤسسات في طريقها إلى التحلل. أما القضية الفلسطينية التي تزداد آفاقها انسداداً وسوداوية، فالعدو هوَ هوَ أما "الأخوة" في "حماس" و"فتح" فعاجزون عن التعايش في مؤسسة واحدة لانقاذ دولة لم تقم حتى يجري التنازع عليها، ولقضية ما تزال في الوجدان والذاكرة "مركزية".
قبل سنوات قليلة تعاظمت طموحات الشعوب العربية بثورات تعيد وضع دولها على سكة اللحاق بالعالم المعاصر وباستقلالية قرار وتنمية عادلة، قبل أن تتكسر الآمال والطموحات على صخور العسكرة والتطرف والغلو والفتن والتمزق، ويزداد التدخل الخارجي، الاقليمي والدولي. في قمة نواكشوط تحضر أربعة تحديات – أسئلة هي في جوهرها قضايا مصيرية بكل المعايير:
أولاً: لماذا اختفى التأثير العربي أو تضاءل أو تآكل؟ فالمشهد العربي يزداد تعقيداً من جهة، ومن جهة أخرى تزداد التدخلات الخارجية غير العربية فيه. أكثر من ذلك، يزداد ضعف دور الجامعة العربية، وعدم قدرتها على التأثير حتى لو هي أرادت، وما نماذج سوريا والعراق واليمن وليبيا ببعيد، حيث التأثير إما لايران أو روسيا أو أميركا، متفقين أو منفردين.
ثانياً: لماذا هذا التعب والإعياء العربي، وكيف يمكنُ الخروجُ منه؟ هل هو "الفراغ الاستراتيجي" الذي سبق أن تحدث عنه الأمير الراحل سعود الفيصل في العام 2010 خلال القمة العربية في سِرت بليبيا قبل بروز "الربيع العربي"، أم أنه بسبب الزلزال التي ضرب البنى الاجتماعية في العالم العربي بعد 2011، أم بسبب العنف الناجم عن حركات التطرف والتي تزداد شراسة ودموية في أكثر من ساحة؟
ثالثاً ورابعاً: ماذا يمكن للقمة العربية أن تفعل أو تقول لهذه الشعوب المتألمة والكيانات المتصدعة؟ وما الذي يعيد الأمل بإنهاء النزاع، وهل ما زال العرب قادرون على التأثير عبر التدخل العسكري أو السياسي أو هما معاً من أجل إنهاء النزاعات واستعادة الرشد، وفتح أُفُقٍ على مستقبلٍ آخر.
الواقع أنه بالرغم من تحديات الارهاب والحروب الأهلية، جميل أن العرب ما زالوا محتفظين بقدرتهم على الاجتماع ولو تحت خيمة تحضر فيها وتحت ظلالها هموم الأمة وقضاياها. القمة العربية تستطيع أن تقول وتفعل وتؤثّر في العديدة من الأُمور. مجرد بقاء القمة العربية، وتوالي انعقادها، مؤشرٌ مهمٌّ له دلالاتٌ بارزة. فالانعقادُ بحدّ ذاته دليلٌ على استمرار حضور الانتماء العربي. والانتماء العربي قضيةٌ كبيرةٌ بسبب الاستهداف الاقليمي والدولي، وبسبب جنون الارهاب وتداعياته وآثاره على العرب والإسلام العربي. الانتماء العربي فعلَ، ويستطيع أن يفعل أو ما يزال قادراً على الفعل بما يتجاوزُ الرمزيات الشكلية، وهو قادر على الدخول من جديد على خط فلسطين واليمن وليبيا والعراق، بإحياء المصالحات، وتعزيز الفاعلية، وتحريك ودعم مشاريع الحلول العربية أو الدولية. أما في سوريا فيمكن للعرب التماس شركاء لحماية المدنيين، أو من تبقى من مدنيين، وفرض الحل السياسي، فالمسألة السورية، برغم تعدد المليشيات القائمة وتعدد لغتها، لا بدّ لها من وجود عربي فاعل، يتجاوز الفيتوات القائمة، ويتيح تدخلاً أكثر فاعلية، ويمنع التقسيم ويحمي وحدة الأرض وعملية الانتقال السياسي. فمن يريد التقسيم ومن يمنع الحل ومن يريد استمرار شلال الدم معروفون، وهم من غير العرب حتماً.
العروبة كما وحدة الدول والكيانات والمجتمعات مهددة، وكل ذلك يدفع باتجاه عمل شيء يعيد الأمل، ويحمي المستقبل، وموريتانيا، بلد المليون شاعر، قادرة على الالهام شعراً ونثراً وموقفاً وأملاً.