عند بوابة لبنان ذهاباً وإياباً، داخل مطار رفيق الحريري الدولي، قد لا يعلم اللبناني المهاجر هرباً من الفساد والغلاء والبطالة والفراغ والحرمان، أو سياحةً بحثاً عن الرخاء بعد الصدمات المتكررة في بلده الأم، أنها قد تكون الوجهة الأخيرة أو المشجع النهائي للهرب الأبدي.
إن لم تكن أجنبياً، فأنت حتماً تدرك الفروقات بين الأسعار داخل المطار في صالات الانتظار وبين السوق المحلية، أو ربما حذرك قريب أو عزيز من عدم "التورط" في شراء أي شيء، ومن الطبيعي أنك لم تبالِ حقاً، لأنك في الأغلب لن تشتري إلا ما تحتاجه كقنينة ماء او فنجان قهوة. لكن هل تعلم كم يبلغ سعر أحدها مثلاً؟ عبوة الماء الصغيرة، على سبيل المثال، تُشترى من السوق المحلية بـ500 ليرة لبنانية فقط لا غير، تباع في المطار بـ4000 ليرة! أما المشروبات الغازية التي تباع بـ1000 ليرة تساوي 6000 ليرة، وإن أردت احتساء فنجان قهوى أو "نسكافيه" لتهدء أعصابك بسبب تأخر رحلة ما (وهي غالباً ما تحصل)، فسوف تدفع ما بين 8 إلى 12 ألف ليرة فقط لا غير، مع العلم أن ما تشتريه تباع في أكثر الأمكنة فخامة بثلث الثمن!! وهو أمر يثير أسئلة ضرورية:
السؤال الأول الذي يفرض نفسه على بال أي مسافر وهو يدفع الفاتورة بذهول، بعد أن يتلقى الصدمة طبعاً، ما سبب هذا الغلاء في حرم المطار؟
وزارة الاقتصاد: سنرفع تقريراً
في حديث لـ "لبنان 24" مع المسؤول الاعلامي في مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والتجارة، يلفت إلى "ورود شكاوى عدة من المواطنين بهذا الخصوص، في وقت يتمسك أصحاب المحال في المنطقة بأن سعر الإيجار السنوي فيها يبلغ 20 مليون دولار، من كهرباء ورسوم للبلدية وماء وعلاوة سنوية باهظة إلى إدارة المطار، وهو ما يحتم رفع سعر البضائع إلى هذا الحد، وبالتالي، بين شكاوى المواطنين وحجج أصحاب المحال نحن ما نزال نحقق ونتابع الملف"، ويشدد على أن "الملف نتابعه باهتمام وقد بدأنا بتحقيقاتنا"، مشيراً إلى أنه "وفقاً لأحكام المرسوم الاشتراعي 73 الصادر عام 1983، لا يحق لأي مستثمر بيع ضعف سعر الكلفة، لذا نقوم بدراسة سعر الكلفة على مستثمري المطاعم والمقاهي في المطار ليبنى على الشيء مقتضاه".
وهل سيطول هذا التحقيق؟ يشير المصدر إلى أن "التحقيق مهم ومزعج في آن، من حيث تفاصيله وأهميته لذا فقد يأخذ بعض الوقت، لأننا سنضطر إلى درس الكلفة الشاملة مع عدد السواح والوافدين إلى المطار والمسافرين أيضاً". أما عن الاجراءات الرسمية بعد انتهاء التحقيق، فيؤكد أن "مهمتنا تنتهي بعد إتمام التحقيقات والوصول إلى النتيجة، إذ نقوم بعدها برفع تقرير إلى المدير العام في المطار ووزير الاقتصاد والتجارة آلان حكيم، ليقوما بدراسة التقرير والبت بالقرارات اللازمة".
"حصة الزعيم"
وفي حديث خاص مع رئيس جمعية "حماية المستهلك" زهير برو، يشدد على ضرورة "مراجعة العقود التي أبرمت بين الدولة وادارة المطار من جهة، والشركات المحتكرة للأسواق من جهة أخرى"، لافتا الى أن "المسألة لا تتعلق فقط بالمقاهي والمطاعم داخل السوق الحرة، بل إن عقد إدارة وتسغيل موقف السيارات بحاجة أيضا الى مراجعة"، مضيفاً: "إنها حصة الزعيم يتصرف فيها كما يريد".
ويضيف برو: "المنطق السائد الذي يدير مثل هذه الملفات ليس جديداً، وهو ما يمنع أي تطور اقتصادي حقيقي في البلد". ويؤكد اننا "طلبنا لقاءاً مع المسؤولين لبحث موضوع الموقف واحتكاره لسيارات عمومية متعاقدة مع المطار مع فرض تسعيرة "العداد" الباهظة والتي تعتبر أغلى من اسعار "التاكسي" في فرنسا ولندن وبلجيكا..".
ويختم برو: "إنه نظام المحاصصة بين الزعماء الذي يحول كل ملك عام إلى خاص بغية الاستفادة المادية".
من يُشغل المقاهي في المطار؟
بيد أن السؤال الأهم هو: من يملك تلك المقاهي والمطاعم في المطار ليتاح له بالتالي تأجيرها إلى الشركات الخاصة؟ بعد بحث بسيط، تبين أن "شركة باك" (وهي شركة خاصة) هي المشغلة للسوق الحرة في المطار وهي تحتكر تلك المقاهي والمطاعم داخل الصالات وتقوم بتأجيرها، على الرغم من أن العقد بينها وبين "إيدال" (المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان) انتهى منذ 2012، مع أهمية الالتفات إلى أن العقد الاساسي يتعارض والمادة 60 من القرار رقم 275-1926 المتعلقة بتأجير العقارات الداخلة في أملاك الدولة في المدن والتي حددت مدة تأجير العقارات بعد الإعلان عنها لمدة 4 سنوات فقط"، في حين أن العقد مع "باك" استمر لمدة 15 عاماً، بحسب المفكرة القانونية.
أساطير الفساد لا تنتهي في لبنان، وهي لا تقتصر على سعر عبوة ماء صغيرة أو فنجان قهوة، ومثله الخيبات التي تتكرر يومياً ولا تجد حلاً. هكذا لا يسع من كان مسافراً ويعرف أنه عائد حتماً إلا القول و"العدّاد عم يعد.. والعدّاد عم يزيد".