لم تكد ثلاثية الحوار تنتهي على موعد جديد في الشهر المبلول طرفه بالشتاء، مع ما تعنيه أول شتوة لأهل الجبال ومواسم الخير والغلاّت، حتى انعقدت الجلسة الاسبوعية لمجلس الوزراء. وفي المشهدين أكثر من تناقض، سواء في الشكل أو في المضمون.
في الشكل حيوية في مناقشات عين التينة، وإن لم تفضِ إلى نتيجة، تقابلها مشهدية مختلفة في السراي الحكومي، حيث تردّد على ذمّة الراوي، أن بعض الوزراء غطّوا في نوم عميق، والسبب حسب ما عزي إلى البعض، رتابة في مقاربة الملفات المطروحة في غياب المعالجات.
أما في المضمون فالمشهد ايضاً مختلف، من حيث جدية طاولة الحوار في طرح قضايا مصيرية ومهمة على صعيد تنظيم العلاقة التي تجمع بين مكونات المجتمع اللبناني، على تناقضاته وسلبياته وايجابياته، على رغم أن بوصلة الحوار وُجهت نحو غير الوجهة الأساسية، التي من اجلها كانت الدعوة إليها من قبل الرئيس نبيه بري، وهي رئاسة الجمهورية، وإن كانت دروب كواليس عين التينة ستوصل في النهاية إلى طاحونة بعبدا.
ومقابل هذه الحيوية على طاولة عين التينة ساد جو ملبّد على طاولة مجلس الوزراء، الذي أصبح مرادفاً لصفة تُطلق عادة على المقلّين في الإنتاج مع كثرة في الكلام غير المجدي، وهي صفة أصبحت لصيقة بهذه الحكومة المطلوب منها انتاجاً ومقررات ملحّة في هذا الوقت بالذات أكثر من الأوقات العادية، بحيث أصبحت عنواناً لتقطيع الوقت، الذي هو في الأساس ضائع، مع ما يستتبع ذلك من تضييع للفرص السانحة.
وبين هذين المشهدين كان مشهد آخر، حيث العين لا تنام ولا يرّف لها جفن، فكانت تلك العملية النوعية التي قام بها الجيش اللبناني، الذي لا ينسى شهداءه ولا يقبل أن تذهب دماؤهم سدى وهدراً، فكان الإطباق على مجموعة من تنظيم "داعش"بعد عمليات رصدٍ ومتابعة، فنفّذت وحدة خاصة منه هجوماً مباغتاً في محلّةِ وادي عطا في جرود عرسال على مركز كان تتمركز فيه تلك المجموعة، حيث دارت اشتباكات بين الجيش وعناصرها، تمكّنَ خلالها الجيش من القاء القبض على المجموعة المؤلفة من أربعة عناصر، بعدما قتل واحد منها متأثراً بجروحه، وهم المسؤولون عن سلسلة تفجيرات في عدد من المناطق اللبنانية، وقتل الشهيد الرائد بيار بشعلاني والمعاون الشهيد ابراهيم زهرمان، وعمليات خطف وتصفية لأبناء عرسال.
وقد أتت هذه العملية النوعية بمثابة هدّية بعيد الجيش لكل لبناني تأذّى ويتأذّى من جراء الأعمال الإرهابية.
وبين المشهدين مسافة زمنية قصيرة، وما بينهما من مساحة من الإستقرار يسعى الجميع إلى تعزيزه وإبعاد كأس عدوى الإنفجار الكبير الحاصل في المنطقة عن الساحة الداخلية، التي تبقى على رغم التأزمات السياسية، في منأى عن تداعيات وتردّدات الزلزال السوري.