يكاد لا يخلو تصريح لسياسي، من هنا ومن هناك، إلاّ ويضمّنه تعابير أصبحت لكثرة استهلاكها في غير مكانها الصحيح فارغة من مضامينها. ولم تعد تعني تماماً المقصود منها، أو الغاية التي من أجلها استعملت.
ومن بين هذه "الكليشيهات" التي لم تعد تعني شيئاً بالنسبة إلى عامة الشعب، كلمة فساد، والتي عادة تترافق مع تعابير مستحدثة كـ" المواصفات غير المطابقة، والهدر بكل وجوهه، واستباحة المال العام، والرشوة الفاضح منها والمقنّع.
ومما زاد الامر تعقيداً أن هذه الكلمات باتت متراساً يحتمي وراءه كل من تسّول له نفسه استسهال القفز من فوق اسوار القانون والتحايل عليه بكل الاشكال المتاحة غير الخاضعة لمعايير المراقبة والمحاسبة.
وهذا الامر يقودنا إلى طرح اكثر من علامة استفهام عن مدى صلاحية بعض الذين يرفعون شعار محاربة الفساد، خصوصاً أننا لم نرَ فاسداً واحداً، وما اكثرهم، وراء قضبان السجون. وهذا يعني في ما يعنيه أن ما يطالب بمكافحة الفساد يتلطون وراء شعارات رنانة غير مجدية، وكأن الفاسدين في الارض اشباح، من دون اسماء وعناوين محدّدة.
ولكي يتحول هذا الشعار الطويل العريض من مجرد كلام استهلاكي، لغايات في نفس يعقوب، إلى واقع ملموس، يُسأل من في يدهم مفتاح الحلّ والربط: لماذا لم يُطّبق ما يعرف بـ"قانون من أين لك هذا" حتى هذه اللحظة، ومنذ اليوم الأول لصدور هكذا قانون القابع في الادراج، والذي اكلته الغبائر وطواه النسيان؟
لماذا لا يُسأل موظف معروف كم يتقاضى من راتب ومن مخصصات وبدل نقل وانتقال وتعويضات عائلية وساعات إضافية، هي غالباً تدخل في خانة "لزوم ما لا يلزم": من أين لك كل هذا الجاه والجخّ والبحبوحة المفرطة؟ من أين لك كل هذا الذي تتنعم فيه من سيارات من احدث الموديلات، واحدة لك وثانية لحرمكم المصون، وثالثة للإبن البكر ورابعة لمن يأتي من بعده، وأخرى على سبيل الإحتياط؟
من اين لك هذه الفيلا ساحلاً وذاك المنزل جبلاً، وتلك الشاليهات، واحدة بحراً واخرى للثلج.
من أين لك ذاك السيجار الغالي الثمن، وذاك الكافيار النادر الوجود، وتلك الثياب الـ"سين ي"؟
لأن وراء هذا الموظف المرتاح على وضعه من يؤمّن له الحماية الكافية، فلا يجرؤ أحد حتى على النظر إليه بعين الشك والريبة أو الإشارة إليه بأصبع الإتهام، فيسرح ويمرح على راحته في دوائر هذه الوزارة أوتلك الإدارة.
فبمثل هذه الطبقة السياسية غير المطابقة للمواصفات الوطنية، من دون أن يعني ذلك أن جميع السياسيين هم كذلك، لم يعد في لبنان رئيس للجمهورية، ولا مجلساً نيابياً يشّرع، ولا حكومة تنيج زلز بالحدّ الأدنى، من دون أن ننسى ما يعترض طريقها من افخاخ سياسية، ولا قانون انتخابات نيابية يؤمن العدالة والتمثيل الصحيح، ولا خطة صالحة للتخلص من النفايات، ولا موازنة عامة، ولا مراجع رقابية تحاسب، ولا زفتاً على الطرقات، ولا كهرباء تصل إلى البيوت، ولا مياه في الحنفيات، ولا خطة سير تريح المواطن من مأساة زحمة يومية خانقة، ولا حبل مشنقة يلتّف حول رقاب الذين يستبيحون رقاب العباد.
كل هذا يجري في بلد اسمه لبنان، ولا من يراقب ولا من يحاسب!