تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

مقالات لبنان24

رماديٌ لونك يا بني.. عبثاً تصرخ!

فاطمة حيدر Fatima Haidar

|
Lebanon 24
29-08-2016 | 09:15
A-
A+
رماديٌ لونك يا بني.. عبثاً تصرخ!
رماديٌ لونك يا بني.. عبثاً تصرخ! photos 0
Documents 42379
Documents 42379 Photos
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
رماديٌ لونك يا بني. جلدك متفحم، ودموعك تستصرخ وجعَ الحروق أن يضمحل ولو لثوان فقط. لكن عبثاً تصرخ! فمن حولكَ منشغلٌ بتوثيق تاريخ معاناتك ومن المسؤول عنها، وجسمك الضئيل الطري، وآهاتك التي تصدح في الأرجاء مختصرةً ويلات 6 سنوات من الأزمة السورية، لن تسمعها آذان الكبار، لا في جنيف ولا موسكو ولا غيرها من الأمكنة الباردة حتى الجمود. إنها الحرب.. وفيها ومعها أمنيات الصغار لا تتحقق، بل تتبخر وتتشوه وتستحيل وقائع صادمة. من عمران إلى إيلان حتماً أبكاكم مشهد "طفل داريا" المحروق بالنابالم، وهو يرتجف أمام العالم ألماً وخوفاً؟ كما هز ضمائركم من ذي قبل مشهد الصمت المعبّر للطفل "عمران" الذي انتشلوه من تحت الركام في حلب، وكما صدمتكم صورة "الطفل الغريق" إيلان وهو جثة ملتوية على شواطئ تركيا. حتماً سيبدع الرسامون الموهوبون في نقل المعاناة بصورة كاريكاتورية ساخرة، سينتشر المشهد افتراضياً ليغتنم المسؤولون عن تلك المعاناة الفرصة ويعبروا عن مواساتهم وأسفهم لما آلت إليه الحال في العالم العربي وخصوصاً سوريا، وستبث المحطات تقاريراً عنكَ أنتَ وحدكَ على مدى أيام وتصبح نجم الشاشة، ثم سيناقش المجتمع الدولي صورتك، لتتحول في يوم وليلة إلى أيقونة إنسانية تجسد معاناة ملايين المدنيين من أطفال ونساء ومسنين، سيقولون لك أبكيت العالم يا بني، وأنك رمز للأزمة السورية؟ أو تتحول إلى صاحب الصورة الابشع في القرن الواحد والعشرين، كصورة الطفلة كيم فوك وهي تهرول عارية والتي كانت السبب الرئيسي لإنهاء حرب فيتنام، ألقاب عديدة احتفي بها في كل مرة تنظر إلى جروحك. لعل أسوأ ما في الأمر، أنك ستجد من يستغل صورتك وجرحك ودموعك، ويعتبرها نموذج جديد لتوجيه السهام للنظام السوري، فقط لا غير، وربما يحمد الله في سره على هذه الكارثة التي حلت عليك وبك، وربما أيضاً ستجد من يتهمك بالكذب والتمثيل ويدرس كل همسة وحركة و"هفوة" لتبرير أفعال النظام.. الإتهامات ستطالك من كل حدب وصوب، أما أنت، ومع كل هذه الضجة حولك ستتفاجأ ولعلك تسأل: ماذا أصابني؟ سيرد أخيك إيلان: "أصابك البؤس. ظلم النظام وشظايا الثورة، أصابتك اللعنة، كما أصابتني من قبل مع مفارقة بسيطة، فأنا ارتقيت إلى السماء وأنت حي، أنا نجوت وأنت تستمر في المأساة، أنا ارتميت بين يدي الله واجهشت في البكاء، شكوت له كل شيء.. ثم أغمضت عيناي للمرة الاولى وغفوت بسلام عند أرحم الراحمين، أما أنت فستقتل في اليوم آلاف المرات، ما أجمل أن تنام في السماء!.. أخبروني ما هو ذنبي؟ طفل داريا يصرح أخبروني ما هو ذنبي؟! لست معارضاً ولا بعثياً، لا انتمي إلى النظام ولا إلى أشبال الخلافة الداعشية، لست جزءاً من لعبة دولية تنتصر فيها أميركا أو روسيا وإيران، لا أدافع عن الأكراد ولا أسعى نحو دولة مستقلة، كل ما أخشاه أن تنتشلوا مني ما تبقى من طفولة تائهة وحاضر أسود ومستقبل معتم، لانني في تلك الساعة، ساعة التخلي، سأتحول إلى عدو لدود وأحقد ثم أحقد، وقد ارتمي في حضن الإرهاب وانتقم. حذارِ، هذه الذكريات المرة المحفورة في عقول ملايين الأبرياء في العالم، ومشاهد القتل والذبح التي أصبحت عادية بالنسبة إلى الجيل الجديد، والحقد الأعمى الذي زُرع في نفوسهم، لن يتبخر، بل سيكبر مع الأيام وقد يأتي اليوم الذي يثأرون فيه. ربما سيكوِّن هؤلاء تنظيم تترحمون بعده على أيام "داعش" و"القاعدة" وغيرهم.. حروب مضت وحروب آتية، لا سلام على الأرض، في سوريا والعراق وليبيا والبحرين واليمن وأفغستان..، الكل يحارب الإرهاب بإرهاب أكبر، هذا يذبح وآخر يرمي البراميل وذاك ينتشل الروح بطرق إبداعية. إنه غضب ابليس يسيطر على هذه الأرض أما الملائكة فغائبة، لعل في ذلك حكمة أو غاية ما، لكن وسط هذا الشر المحكم، والدمار والهلاك، من الجنون أن تتمسك بأمل ان يعود العرب إلى رشدهم وان يصحو الضمير الإنساني فجأة.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك